‏إظهار الرسائل ذات التسميات ثقافة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ثقافة. إظهار كافة الرسائل

الخميس، يناير ٠٧، ٢٠١٠

الإسلام بين الدعوة والصحوة


لم يكن خروج رجل فى شبه الجزيرة العربية ليقيم دولة وإمبراطورية ويغزو البلاد شرقًا وغربًا.

بالطبع لم يكن كذلك.

ولم يكن أيضًا رجلاً خرج إلى الناس ليدخلهم صوامع ومساكن يتعبدون فيه الله لا يضرهم من ضل أو اهتدى.

بل جاء النبى صلى الله عليه وسلم ليخرج الناس من الضلمات (الحيوانية) إلى النور (الإنسانية)

فقام فيهم مرشداً. وقام فيهم قائدًا لدولة الإسلام، ليس لحماية الدين فقط، ولكن لكى يكتمل هذا الدين، فلإسلام ليس مجرد عبادات وهو أيضًا ليس ليس مجرد دولة أو نظام يحكم نيابة عن الرب.

لقد جاء الدين بأوامر ونواهى للفرد وللمجتمع. فليس صحيحًا أنه جاء ليصلح ما بين العبد وربه وحسب. ولكن جاء ليمتد هذا الصلاح الذى بينه وبين الله ‘لى المجتمع (الأمة).

ولما كان حالنا الآن لا يقوم على أساس الدين الصحيح (الفرد والجماعة معًا)، كان لابد للنظر لهذه الهنة (السقطة)

فيستعرض الدكتور محمد سعيد رمضان البوطى فى كتابه الرائع الماتع (التعرف على الذات) (التعرف على الذات هو الطريق المعبد إلى الإسلام) أن سائر مظاهر التخلف التى رانت على العالم الإسلامى كانت بسبب عاملين:

أولهما: الإنبهار بمظاهر النهضة الأوربية.

وقد أورث هذا الإنبهار شعورًا بالنقص، وريبة فى حقيقة الدين ورغبة أن يعامل الإسلام هنا كما عوملت النصرانية هناك إبان النهضة الأوربية.

ثانيهما: بقايا الثورة الهائجة على قيود الكنيسة .

وكان هذا خلال النصف الأول من القرن العشرين

ولكن الذى طرأ بعد ذلك امران:

1- زوال الإنبهار الذى كان قد غشّى على أبصار الأمة الإسلامية.

2- سكون بقايا تلك الثورة المعتلجة فى صدور الغربيين.

وجرى فى الماء الذى بين الشرق والغرب الكثير، فبعد ان كان الإشمئزاز من الدين أصبح التطلع إلى المناقشة والحوار والبحث عن الجذور الواحدة للأديان لتعقد بينها صلحًا حقيقيًا يمكن لاعتماد عليه فى حل مشكلات الحضارة.

ويتسأل الدكتور البوطى: هل لهذه التحولات أثر على تقويم حقيقة الدعوة الإسلامية سواء من حيث أهميتها الذاتية، أو من حيث ما قد يجب أن تتقيد به من منهج وأسلوب؟

ويجيب الشيخ الجليل: بأن الأهمية الذاتية للدعوة الإسلامية قد تضاعفت، وأن واجب النهوض بها أصبح أشد أهمية وأكثر اتساعًا. ويقول أن هذه المهمة قد تحولت من الفروض الكفائية ـ فى أغلب الأحقاب التى خلت ـ إلى فرض عين.

وأما عن المنهج الأمثل للدعوة فيرى أن أهم الدعائم الكلية الهامة لنجاح المسلمين فى القيام بأعباء الدولة الإسلامية هى عدة شروط:

1- المعرفة: فيجب أن يكون الداعى إلى الله على بينة من حقيقة الإسلام وأن يعرف الناس به ويدعوهم إليه.

ترى، هل الإسلام مذهب فكرى أو سلوكى يقارع غيره من المذاهب المماثلة؟ أم هو مذهب ينافس المذاهب الأخرى؟ أم هو جملة تشريعات وقوانين تنسخ بها بقية التشريعات؟ أم هو يمين فى مواجهة يسار أم يسار فى مواجهة يمين؟

ويتلطف بنا الكتاب فى تعريف الداعى إلى الله مجموعة أشياء يجب أن يكون عالمًا بها منها أن الإسلام ليس مجموعة تشريعات ولا مذهب فكرى ، فهو ليس هذا ولا ذاك. ولكنه كما يدل عليه اسمه. استسلام مطلق لألوهية الله وحده، ثم انقياد لأمره ونهيه وقضائه.

ويشير غلى أن قوام الدين الحق الذى ألزم به عباده مكون من ثلاثة أركان: إيمان وإسلام وإحسان.

فمغرس الإيمان فى القلب، ومكان الإسلام الجسد كله، ومستقر الإحسان صلة ما بين القلب الذى آمن والجسد الذى استسلم.

ويرى أنه لا قيمة لدعوة الناس إلى اختيار منهج معين فى السلوك أو نظام متميز للحياة ، إلا الإصطباغ التام بالعبودية المطلقة لفاطر السماوات والأرض.

2- هو أن تشيع الدعوة أولاً فى صفوف المسلمين أنفسهم: ويرى أن مجرد انتشار الدعوة فى صفوف المسلمين هو فى حد ذاته دعوة.حتى إذا استقام أمرهم على النهج السليم، وتجسدت فى حياتهم حقائق الإسلام وفطرته وأخلاقه، انبثق لهم من ذلك لسان مبين يدعو الأمم الأخرى إلى اتباع دين الله عز وجل، وتجلى من سلوكهم أمام تلك الأمم خط مضئ يشق سبيله وسط أمواج الظلام وعكر المذاهب والأفكار المنحرفة. فكان من ذلك أهم عامل يحمل تلك الأمم على مزيد من الاهتمام بفهم الإسلام أولاً، ثم الاعتناق له والانصباغ به ثانيًا.

3- تلاقى الجهود بين الراعى والرعية: فلا قيمة لما قد تنفرد به فئات أو أفراد من المسلمين فى نطاق العمل الإسلامى، إذا لم تكن للدولة الحاكمة فى ذلك دور أساسى فعال، ولئن ظهر بعض الفوائد والأثار فهى لا تعدو أن تكون أثارًا جزئية، ويغلب أن تكون مع ذلك سطحية ومؤقته.

فالذين يرشدون ويوجهون إنما يجتازون بالناس عقبة نظرية فقط، وتبقى من بعدها مرحلة السعى إلى التنفيذ ، وهى مليئة بالعقبات والمعوقات.. ولا يقدر على تذليل تلك العقبات وإزاحة المعوقات، إلا قادة المسلمين وأولو الأمر فيهم.

وما أظن إلا أن هذه المسؤلية، هى التى يجسدها ويعبر عنها الأثر القائل: إن الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن

ويرى شيخنا أن من الخير أن نبحث عن السبب الذى أفقد روح التعاون الحقيقى بين المتحرقين على الدعوة الإسلامية من آحاد المسلمين والقائمين على أمرهم من القادة والحكام!

إن السبب، بكلمة جامعة مختصرة، هو السياسة!

لقد كانت كلمة “السياسة” تعنى فيما مضى سلوك سبيل الحكمة والتعقل إلى الهدف المنشود. فكانت مطية زلولاً وسبيلاً معبدة إلى بلوغ الغايات السامية. ولكن تحولت هذه الكلمة إلى ألوان معقدة من المناورات والمحاولات ووجه التعامل بين القادة. وتحول من وسيلة إلى وسيلة وغاية فى نفس الوقت!!

ونظر شيخنا. فرأى : أن الدين ذاته واحد من الوسائط الخادمة!.. فما اكثر ما يستنطق الدين بما نهواه السياسة.

مع العلم أن الله جل شأنه، ما أنزل الدين على عباده إلا كبحًا لجماع الرعونات، وجمعًا لشتات الآراء، وإزالة لأحقاد القلوب وسخائم النفوس. فمعاذ الله أن تكون له وجوه متعددة يصانع بها أرباب السياسة وأبطال الكرّ والفر، ليفوز برضوان الجميع!..

إن علينا جميعً أن ندرك أن العمل السياسى فى أيدى قادة الأمة الإسلامية، ليس إلا سلاحًا لخدمة الإسلام وإقامة المجتمع الإسلامى فوق أرفع ذرى الأرض

الجمعة، يناير ٠١، ٢٠١٠

مالك بن نبى.. إحكى يا مالك


هذه متعة عقلية لا تقارن إذا كنت من محبى الحياة السريعة والصاخبة، بالطبع أنت لن تجد ماكدونالدز وبيتزا هت ولا حتى مؤمن، وكذلك أنت لن تجد أغانى الدقيقة ولا نانسى وهيفا ـ حيث كل ما ذكرت أصبح مقترن بالحياة السريعة فى الوقت الحاضر ـ ولكن هذا الرجل لم يهدأ له بال، أنا أطلقت عليه الرجل الباحث فهو دائمًا يسأل ماذا أفعل؟ على مدار الكتاب ستجد هذه الجملة تتكرر كثيرًا، فهو ينتقل من مكان لآخر ومن حال لحال فى سرعة ليس لها مثيل، هو دائمًا ما يكون هنا ويسير عليه أن يذهب إلى هناك ـ دعك من أن الظروف تضطره إلى ذلك فى بعض الأحيان ـ ولا تسألنى أين هنا وأين هناك فهى كثيرة، فى هذا الكتاب ستعرف على كثير من مشكلات الحركة الإسلامية والثقافية وعيوب الصوفية.
ستتعرف على الجزائر وفرنسا، ستركب السفن والقطارات، ستير فى الشوارع وتجلس فى الميادين.
بالرغم من أن كاتب المذكرات هو مالك بن نبى إلا أن هذا الأسم لم يرد قط فى المذكرات بل إن اسمه الوارد السيد الصديق، ربما يكون السيد لقب ولكن ماذا عن الصديق.
وهذا الكتاب
حقًا جولة فى عالم المثقفين والسياسيين والحركات الإسلامية، كل هؤلاء تجدهم فى هذا الكتاب، ستتعرف على بعض ما أصاب الجماهير الغفيرة والمثقفين من أمراض.
يستعرض مالك أو السيد الصديق بعض المشكلات خصوصًا داء الكلام فيقول " فتحت فى الجزائر محابس
الكلام، فاستولى على كل فرد داء الكلام كلامه أو كلام جاره، وإنه لداء قتال!
حتى إن بعض المصابين كان ذات يوم مع الجمهور التبسى ـ نسبة إلى تبسة فى الجزائر ـ، يستمع إلى الخطباء يتكلمون بقاعة المهرجانات، فطلب الكلمة فلم تعط له، فصرخ:
- إنى سأنفجر إن لم أتكلم ! ..
فأراد بعض الحاضرين أن يتفادو الانفجار فقالوا:
- أعطوه الكلمة ! .. أعطوه ! ..
قفز المريض على المنصة ومكنسة بيده، لا أدرى أين وجدها وقال:
- يجب أن نكنس الاستعمار هكذا ! ..
هذا كل ما قاله وهو يلوح بالمكنسة ، ثم نزل مرتاحًا كمن تنفس بعد ضاق صدره؛ ولا يستطيع أحد تقدير ما تكبدنا من خسائر جوهرية منذ استولى علينا مرض الكلام، ومنذ أصبح المجتمع سفينة تائهة.
كانت الأفكار قبل ذلك صافية، والنوايا خالصة صادقة، والقلوب رحيمة خيرة ، فاستحال كل ذلك إلى الخلط والخبط والتباغض والانتهازية والثرثرة."
وله مقولة جميلة للتعبير عن كل هذا فيقول السيد الصديق كل ذى أذن أصبح ذا فم يتكلم.
ولبعض المثقفين أمراض، فيعتل عقله ويمرض فكره ويتبدل انتمائه، فيروى السيد الصديق أن واحدًا قام خاطبً
ا فى الناس هو حمودة بن الساعى ـ صديق السيد الصديق ـ فقال له، إننى لا أعتقد أن هذه المحاضرة من تحرير حمودة بن الساعى، ولا من بنات فكره ، فبعض جملها سبق وتكرر على مسمعى كأننى طالعتها فى إحدى المجلات الشرقية.
وهنا يقول
السيد الصديق " لم أكن قد عرفت بعد أنها حالة مرضية تعترى غالبية حاملة الثقافة عندنا،فإن كانت ثقافتهم تقليدية فمثلهم الأعلى فى الشرق، وإن كانت عصرية فمثلهم الأعلى فى فرنسا.
وبالأحرى لم أكن أعرف أن هذه الحالة المرضية تعترى كل مثقفى العالم الإسلامى ، إذ تراهم يعانون مركب نقص نحو الثقافة الغربية ، وإنما تتخذ هذه الحالة عندنا ازدواجية بسبب ما يعانى الشباب تجاه ( طه حسين ) من ناحية وتجاه ( فرانسوا فانون ) من ناحية أخرى، لأن التكوين غالبًا ما يكون أدبيًا.
وهى بالتالى ظاهرة عامة: إن كل مجتمع فقد حضارته يفقد بذلك كل أصالة فى التفكير، أو فى السلوك أمام أفكار الأخرين.
ويستعرض حادثة تدل على مرض المثقفين حيث دعى لندوة كان المتحدث فيها برنارد لوكاش رئيس المنظمة اليهودية ، وحينما قام مالك بن نبى للرد عليه، تلطف به واستعرض وحشية الوضع الاستعمارى فى الجزائر وكان يلاحظ بعض الانكماشات على وجه برنارد ليس لأنه فوجئ بالصورة ، إذ هو يعرفها بحذافيرها، بل لأنه كان ينتظر من مالك الفظاظة والعجرفة التى تجرح العواطف عوض أن تنيرها، كان ينتظر منه ذلك لمعرفته بأسلوب المثقفين بنوعيه، فإما الإطراء والمدح أو التهريج والتهييج.

وحينما جاء الدكتور ( بومالى ) يحذر النواب من الاستقالة فقال له مالك "..
-إنك إذن قد أتيت بإنذار لمدينة تبسة.. يا دكتور.
قلت له هذه الكلمات وحدقت فيه البصر، فتنحى من وجهى قليلاً......
وفى تلك اللحظة أدركت تمامً الموقف: إن النخبة المثقفة ولجت بكل وضوح طريق الخيانة، وإن الاستعمار بدأ يستخدم الزعماء لإلقاء الحيرة والريبة فى الضمائر، مفضلاًَ هذه الطريقة على ( اتخاذ الإجراءات الصارمة ) التى لا تزيد إرادة الشعب إلا صلابة.
وينتقد مالك بن نبى فكرة نقل القيادة من الفقهاء والعلماء إلى أصحاب الطرابيش " لقد فقدت الكلمة قيمتها بانتقالها من النادى أو المسجد إلى المقهى، منذ سلّمتِ القيادة ( المعمّمة ) زمام الأمر للقيادة ( المطربشة )، حتى على رأس المؤتمر الجزائرى الإسلامى، الذى ذهب أول ضحية لهذا التسليم.
ومع هذا الشكل الذى يظهر ( محافظـًا ) إلا أنه فى موضع أخر يظهر ( إصلاحيـًا ) " كان يحرجنى التدخل حاكم صلح بين أخوين، يرى كل منهما نفسه أنه على صواب، الأول باسم تقاليد نسختها الأيام، والثانى باسم حرية تقرير المصير التى رسخت الأيام معناها فى الأذهان" فهو هنا يصف التقاليد بأنها نسخت.
بطبيعة الحال أغلب المفكريين اضطهدوا، وتعرضوا لمتاعب أو مشاكل، فلن يتوقف الأمر على مالك إذن، فهو كغيره ارتكب الجرم الأعظم والخطيئة المشينة والذنب الفادح وهو التفكير. فليرضى إذن بما سيلاقى.
فكان نشاطه المعادى للاستعمار فى فرنسا أن جائه نبأ سئ " دق الباب نبأ من تبسة، يخبرنى والدى أن رئيسه حاكم المدينة، أمر بنقله إلى مكان آخر.

بالطبع مصر حاضرة وبقوة ـ ليست قوة الحضور ولكن قوة الطغيان ـ حيث كان سيسافر إلى الحجاز عبر مصر، ولكن مصر أبت.
- لا أدرى هل هناك شيطان خاص بأبناء المستعمرات، يتتبع خطواتهم أينما يتوجهون، ولم يخطر ببالى وأنا أودع (أمى مورناس) ـ حماته ـ، وأدلى بالتوصيات الأخيرة لزوجى، وأخرج من بيتى معتقدًا أنه يكفى جزائريًا يعيش فى ظل الاستعمار، أن يكون فى جيبه جواز السفر وما يكفيه من النقود ليسفر فعلاً كأى إنسان.
وإذا اتبعنى فعلاً فى ذلك الصباح الشيطان، فإنه كان لا شك يضحك منى ويتهيأ ليعيش على حسابى أكبر مهزلة لعبها فى حياته اللعينة.
وصلت إلى باريس فتوجهت فى الحين نحو السفارة المصرية، وكان السفير يومئذ (فخرى باشا)، وعندما وصلت إلى بابها ودخلت، شعرت أننى وضعت أقدامى على أرض وطنى العربى أو الإسلامى أو الاثنين معًا.
فاستقبلنى أحد السعاة وطلب منى تحريرًا وتوقيع الاستمارات النعدة لطلب التأشيرات، فسلمتها له مع الجوازات ثم دلنى ساعٍ آخر على قاعة الانتظار، فوجد أوربيين وخاصة أوربيات لم أكن أعرف بعد ما يجذبهن لزيارة أبى الهول ولا سبب هوايتهن لمناظر النيل، ولا البضاعة الخاصة التى يروجونها على ضفتيه، تلك البضاعة التى ـ سأكتشف فيما بعد ـ لها رواج كبير فى البلاد العربية خاصة اليوم، بعد اكتشاف البترول والسيارات (المرسيدس) ـ لقد تغير الحال يا أستاذ وما عدنا نبيع ـ.

ومن حين لآخر يظهر الساعى فى مدخل القاعة، فينادى أحد المنتظرين ثم يرجع ينادى آخر، وربما يكون قد أتى بعدى، ولم يخامر ذهنى أن أعلق أى تعليق على ذلك متمسكًا بثقتى فى البشر وبالصبر الجميل.
ولكن القاعة بدأت تفرغ حولى، وإذا بالساعى ينادينى، فتنفست الصعداء فدخلت مكتب متسع الأرجاء عميق الأغوار.
إن مركبى الأفلام يعرفون استغلال هذه الظاهرة، فى بعض مقاطع تركيبهم عندما يضعون بين زائر يدخل مكتبًا ومن يستقبله فيه أكبر بعد ممكن، حتى تزيد كل خطوة من خطوات الزائر فى التفاعل بين الشخصيتين، وترتفع بقدر ذلك درجة التأثير المسرحى فى المقطع، خاصة إن كان الزائر يشعر، أو من يقوم بدوره يشعر، أنه يسير فى تلك الخطوات إلى مصيره.
كان يستقبلنى يومئذ قنصل مصر فى باريس، وعندما وصلت وجدت الجوازين على مكتبه:
- أتريد أن تسافر إلى مصر؟
شعرت بخبث السؤال، لأن نظرتى فى وجه القنصل لم تكن مريحة، فأجبت:
- إننى، إن شاء الله، مسافر إلى الحجاز كما ذكرت فى الاستمارات..
- إنك إذن تستطيع الحجز على باخرة تذهب مباشرة إلى جدة دون أى حاجة إلى تأشيرة إلى مصر.
- نعم سيدى كان ذلك أجدى، ولكن شركة (كوك) للأسفار أخبرتنى أن المواصلات المباشرة مفقودة بين مرسيليا وجدة، وأشار على موظفها بأننى سأجد بميناء السويس الباخرة التى تنقلنى إلى ميناء الحجاز، فتوسمت فى الرجل طبيعة ساذجة يتنعم بألم الآخرين، ولا يتراجع عن شر قدّره أو أمر بتنفيذه، حتى كان من العبث أن يحاول المرء إيقاظ ضميره.
فارتجت الأرض تحت أقدامى، فحوقلت، ورجعت وأخذت الجوازات وخرجت، ونفسى تردد الترجيع فى خطوة، وفى أخرى [ إن الرجل صنيعة ] ، لأن الجانب الشيطانى قد اتضح فى الأمر: إن الاستعمار يستطيع أن يتمسك فى بعض الحالات بمظاهر المشروعية، لأن خونة من بين العرب ومن بين المسلمين يتولون الأمر، للقيام بالدور الذى لا تسمح له به كبرياؤه فى تلك الحالات.
وهو يميل إلى الفكرة الوهابية "الأمر الذى لا شك فيه، والذى كنت حسب اعتقادى أعلم المسلمين به، هو أن الاستعمار كان يتضايق كثيرًا من تولى الدولة السعودية على الأرض المقدسة، لأنها ستصبح هكذا منارة إشعاع للفكرة (الوهابية)، يعنى فى نظرى سيطة الفكرة الإسلامية التى تصلح بما فيها من طاقة متحركة، لتحرير العالم الإسلامى المنهار منذ سقوط خلافة بغداد"
وظل مالك بن نبى يبحث ويسأل مذا أفعل الآن؟ ظل هذا السؤال يتردد كثيرًا، فهو يقف عند هذا النقطة يلتقط أنفاسه ويسأل ماذا أفعل الآن؟ وهكذا هو لا يتوقف عن المضى قدمًا فيما يريد ـ إذا وفقه الله سار وإلا سأل نفسه ـ ويتوقف ليسأل نفسه ماذا أفعل الآن؟
وكما سب سيدنا النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو حى، فهو يسب الآن، لا فرق، وسب أيضًا فى عهد مالك بن نبى، حيث كتبت أبيات شعرية على بناية، فى فرنسا، فيها إهانة للنبى العظيم. فتأثر مالك...
"ورجعت إلى غرفتى فى سأعة متأخرة ليلاً والأسى يصط عظامى، وألقيت نفسى على السرير يؤرقنى الألم، وعندما أطفأت النور انطلقت من شفتىّ لعنة على من يتجرأ هذه الجرأة العمياء على حرمة النبى، وانتهت اللعنة فى صورة تضرع:
- يا الله.. إن النبى تمس كرامته ولا تزلزل الأرض!!
ولم تكد هذه الكلمات تمر فى فكرى حتى شعرت بسريرى يتأرجح، وفجاة نسيت دار البا ـ التى كتب عليه الإهانة ـ والللافتة والطلبة ولم يبق فى ذهنى إلا فكرة واحدة:
- هذا شخص تحت السرير!.
فولعت النور على الفور، ولم يكن أحد تحت السرير بطبيعة الحال، ولكننى لم أشك فيما شعرت به من تأرجح دون أن أفسر الأمر بوجه.
وفى الغداة شرعت فى تحقيق لأتأكد، فسألت جيرانى فى الدور فلم يشعر أحدهم بشئ، ولكننى لما كنت كل يوم أحد أطالع الجريدة فتناولتها وأنا على سطح المقهى، وإذا بمقطع صغير ينقل نبأ من مرصد (جرنويش): إن هذا المرصد سجل الليلة هزة صغيرة.
وكانت ساعة الهزة تنطبق مع حركة سريرى، هذا هو الأمر، أفضى به كما هو لمن يريد أن يتأمله ولمن يريد أن يهزأ منه."
بالطبع هذه المذكرات شديدة الثراء والمتعة، وأنا أرى أنك لتتعرف على شخص ما يجب عليك أن تقرأ مذكراته، أو ترجمة له، ولكن هذه المذكرات يعيبها كثرة الأسماء حيث أن القارء ـ بطبيعة الحال ـ ليس مطلع عليهم ـ ولو كان عايشهم فى زمانهم فما بالك بزماننا ـ فلم يراعى الكاتب هذه الجزئية حيث لم يراعى أنه قد يقرأ شخص ما من بلد آخرى هذه الكلمات، ورغم أن هذا عيب إلا أنه يذكر أسماء الصحف ـ وهى كثير ـ وكأنه تأريخ وليس ذكر . فربما يستفيد المهتمين بتاريخ الناس والصحف بهذه المذكرات. وها أنا أعيب الإسهاب فى موضع إلا أننى أفتقده فى موضع آخر حيث لا يذكر لنا كيف تزوج زوجته الفرنسية، حيث تجد فى لحظة ما يذكر أنه تزوج وكأنك كنت حاضر معهم عقد القران فيعتقد أنك لست بحاجة إلى ذكر كيف تم التعارف والزواج، وأنا لا أكتب هذه الكلمات من باب الفضول ـ وإن كان الكاتب عودنى على هذا بذكره تفاصيل الحكايات والشخصيات والمواقف ـ ولكن من باب أن الأمر ليس فيه مشكلة، فهو ليس ذكر للخصوصيات ولا إقتحام للحرمات، وأعتقد أنه كان محرج أو خجل من ذكر هذا التفصيل ـ الصغير ـ وتأكيدى على هذا أنه فى مواضع آخرى يثنى على زوجته ثناءً جميلاًً، وكأنه أراد أن يعوض هذه بتلك. وهو فى هذه المذكرات أيضًا يذكر أنه تزوج بدون علم أهله، وتأخر فى إخبارهم. وعلى كل فهذه تفصيلة ـ يسيرة ـ شدة إنتباهى لجرأة مالك بالصدع بالحق وعدم خوفه من ذكر تفصيلة وإن كانت بها نقد له هو شخصيًا.
بالطبع لم أوف الكتاب حقه ولا الكاتب مالك بن نبى، ولكن هذا بعض ما جذبنى فى هذه المذكرات، وأنا أدعوكم لقراءة هذه المذكرات..
فهى حقًا مذكرات شاهد للقرن.




الأربعاء، ديسمبر ٢٣، ٢٠٠٩

دعوة معرفية.. لأيام اشتراكية

كنت كالطفل الذى يريد تجريب الأشياء، فيضع أصبعه فى الكهرباء، بكل تأكيد هو لن يلمسها مرة أخرى ـ لو عاش ـ وربما أصابته منها عقدة.
ولكن حالى يختلف بعض الشئ عن الطفل، فالطفل يعبث فى الكهرباء، وأنا قررت العبث فى الأفكار، قررت أن أعرف هذا الفكر وذاك المذهب.
الأقدار هى التى تضع أمامنا المنح والمحن، وفى طيات كل محنة منحة والعكس صحيح. فكانت دعوت الدكتورة هبة رءوف عزت إلى مؤتمر أيام اشتراكية فى مقالها بجريدة الدستور ( أيام اشتراكية.. وهموم اجتهادية ) وكان دافعًا قويًا للذهاب إلى هذا المؤتمر، حيث أنى لا أعرف عن الاشتراكيين غير أنهم اشتراكيين، بعضهم ملحد، وكانت لهم فى الماضى أيام، وصل بهم الحال الآن إلى حناجر على ورق لا صوت لهم. وأشارن الدكتورة هبة إلى جزء من هذا التصور وهو عام عند كثير من الناس فتقول "
أحد الأخطاء التاريخية للصحوة الإسلامية هي اختزالها الاشتراكية في الماركسية، ثم اختزال الاثنين في الإلحاد. بسيطة خالص وسهلة ومريحة، لكنها حسبة غير دقيقة وثمنها السياسي فادح " وزادت بقولها" حرم هذا الموقف التبسيطي الفكر الإسلامي المعاصر من مساحة متاحة لفهم أطروحات غاية في الأهمية هي بمثابة الدليل الإرشادي لفهم كوارث الرأسمالية وأزمات الليبرالية في مرآة خصومها التاريخيين في عصر الأيديولوجيا، خرجنا من بينهما سالمين وتجاهلنا صلة هذا الجدل بهموم أصحاب الدين وحسبنا أننا بذلك تجنبنا «الكافرين»، والحق أننا أهدرنا فرصاً للتعقل والتدبر ومساحة تقاطع في مناهضة الذين يكفرون بالدين فعلاً وهم الذين- بنص القرآن- لا يحضون علي طعام المسكين " وهى بهذا دعتنى إلى معرفة أشياء أجهلها بطبيعة الحال، فقررت الذهاب ولم تكتف الدكتورة هبة عند هذا الحد بل وجدت على الفيس بوك خاطرة لها تدعوا فيها الناس للذهب، وقد كان.

الخميس، فبراير ٠٥، ٢٠٠٩

أنـــــــا.. عبقرية العقاد



لا أعرف كيف أكتب عنه ، فهذا الرجل الذى حينما داعبه صديقه بعد أن استقبلا فى ركن من أركان ردهة المائدة الصغيرة صندوقًا مربعًا به حاكٍ ( راديو او مشغل الاسطوانات ) فقال الصديق: إن هؤلاء العازفين فى موضعهم هنا لأنهم يعزفون لك على الطعام ، فلا يفوتك حظ الخواقين والشاهات ( مش عارف معناهم بس شكلهم حاجه كبيرة ) فى قصور البذخ والسلطان!
فأجابه العقاد: إن الإنسان يا أخانا لا يأكل أكلتين فى لحظة واحدة: أكلة روح وأكلة معدة، وما من كرامة الموسيقى الرفيعة أن تشتغل بشئ آخر وأنت تستمع إليها.
هذا ما قاله العقاد لصديقه حينما داعبه ، فماذا كان سيقول حينما يسمع الآن ( وانا أكتب هذه الكلمات ) أغانى فرح شعبى من الطراز المتدنى !
يا لسخرية القدر!! أكتب عن العقاد وتصم أذنى أغانى من نوعية ( أنا شارب سيجارة بنى ) !!!
ولنبدأ مع العقاد كما فى كتابه ( أنـــــا ) .
فيبدأ العقاد الكتاب بالحديث عن نفسه فيقول إنه يرى نفسه عكس ما يراه الناس.
فيقول: فعباس العقاد هو فى رأى بعض الناس ـ مع اختلاف التعبير وحسن النية ـ هو رجل مفرط الكبرياء.. ورجل مفرط القسوة والجفاء..
ورجل يعيش بين الكتب، ولا يباشر الحياة كما يباشرها سائر الناس.
ورجل يملكه سلطان المنطق والتفكير ولا سلطان للقلب ولا للعاطفة عليه.!
ورجل يصبح ويمسى فى الجد الصارم فلا تفتر بضحكة واحدةإلا بعد استغفار واغتصاب.
هذا هو عباس العقاد فى رأى بعض الناس.
ويقسم العقاد بكل ما يقسم به الرجل الشريف أن هذا الرجل لا يعرفه ولا رأه ولا عاش معه لحظة واحدة ، ولا التقى به فى طريق.. ونقيض ذلك هو الأقرب إلى الصواب.
ويقول العقاد أنه لا يزعم أنه مفرط فى التواضع ولا فى الرقة واللين.
ولكننى أعلم علم اليقين أننى أجازف بحياتى، ولا أصبر على منظر مؤلم أو على شكاية ضعيف.
ويستدل العقاد على هذه الأوصاف التى خلعها على نفسه بحكاية..
أنه عندما كنت فى سجن مصر رجوت الطبيب أن يختار لى وقت للرياضة غير الوقت الذى تنصب فيه آلة الجلد لعقوبة المسجونين.
فدهش الطبيب، ظن أنه يسمع نادرة من نوادر الأعاجيب..
وقال لى فى صراحة: ما كنت أتخيل أن أسمع مثل هذا الطلب من العقاد "الجبار".
ومن يعتقد أن كتابات العقاد تحمل من اسمه الكثير ( التعقيد ) فهو خاطىء، فهو يكتب مذكراته بأسلوب سلس ، لا لبس فيه ولا غموض ـ اللهم إلا من بعض الكلمات القليلة التى كانت دارجة فى زمانهم واختفت الآن أو ندر استخدامها ـ.
فهو يتحدث عن أبيه وفى كلماته مسحة وقار واحترام ، وبالرغم من ذلك يذكر قصة طريفة..
كان لأبى حمار ينتقل عليه من قرية إلى قرية، حين كان معاونًا للإدارة، فلما استقر فى المدينة باعه لبعض المكارين ( جمع مكارى وهو العربجى ) ، وكان الحمار مشهورًا بالسرعة وهدوء الحركة، فكان المستأجرون يطلبونه فيقولون: "هات حمار العقاد" ثم اختصروا كعادتهم فأصبحوا يطلبونه فيقولون: " هات العقاد! هات العقاد" فلما سمع بذلك عاد فاشتراه وقبل المغالاة فى ثمنه على غير حاجة إليه ، وهذا لأنه لم يكن يغضب لشىء كما كان يغضب لكرامته وسمعة اسمه.
وحينما يتحدث عن الطفولة فيقول: إن الذاكرة ملكة مستبدة، ويراد بنسبة الاستبداد إلى هذه الملكة العقلية أنها تحفظ وتنسى على غير قانون ثابت.
واجمل المناظر التى تحتفظ بها الذاكرة من ذخائر العاشرة ـ وما دونها ـ منظر فتاة أوربية هيفاء ( مش هيفاء بتاعة الكليبات ) لفت نظرى أنها تسير وسط المدينة وتدير على خصرها حزامًا "أو مشدا" لا يزيد قطره على بضعة قراريط.. وتخطر فى الطريق الوعر كأنها تلمس أغصان الشجر بقدمى قطاة.
ولم أكن أفهم يومئذ أن نحافة الخصر جمال محبوب، ولكننى فهمت أنه أعجوبة نادرة، وتبعت الفتاة الهيفاء حول منعطفات الطريق، ولا أعلم لماذا أتبعها، ولايدور فى خلدى خاطر غير الاستزادة من هذا المنظر العجيب، الرشيق.
والعقاد يتصف بالذكاء منذ الصغر، فهو حينما تحدث عن أحد مدرسيه قال: كان لى أستاذ حساب وهندسة، يؤمن بالخرافات وشفاعة الأولياء، وكان محدود الفهم فى دروسه ولا سيما المسائل العقلية فى درس الحساب.
وكان يتردد على مسجد يعتكف فى زاويته رجل من المشهورين بالولاية وصنع الكرامات فدعانا جميعًا ـ نحن تلاميذ السنة النهائية ـ إلى صلاة المغرب معه فى ذلك المسجد، للتبرك بالرجل الصالح، وتلقى النصائح منه.
وجاء دورى فى تلقى النصيحة، فقال لى الرجل: "أما أنت فعليك باللغة الإنجليزية"..
وعجبت وعجب زملائى من هذه النصيحة، لأننى كنت من المتقدمين فى هذه المادة على الخصوص، ولكن زملائى فسروا هذه النصيحة بسر الولاية..
فلما اجتمعنا بالمدرسة فى أول حصة للحساب، قال الأستاذ الرياضى:
"تذكر نصيحة الشيخ يا فلان ؟"
قلت: "إن الشيخ لم يقل شيئًا"
قال وهو يحوقل: "كيف لم يقل شيئًا؟.. ألم ينصحك بالاجتهاد فى اللغة الإنجليزية ؟"
قلت: "نعم فعل.. ولكنه سيظفر بالسمعة فى علم الغيب أيا كانت النتيجة، فإن نجحت قيل إنها بركة لنصحه، وإن أخفقت قيل إنه قد عرف هذا فحذرنى منه"
وإلى لقاء آخر إن شاء الله..

الاثنين، فبراير ١١، ٢٠٠٨

أى شئ




ذهبت فى صغرى لأحد باعة الحلاوة العسلية فى بيته وكان يبيع العسل أيضا ً ، ووجدته يصنع الحلاوة التى نشتريها منه فى بيته وكانت طريقة صنع هذه الحلاوة بدائية بطبيعة الحال ، ولكن ما لاحظته أن يده ملوثة والأوانى التى تصنع بها الحلاوة إشتكت وتطلب الرحمة لكثرة استخدامها فضلا ً عن الصماد ( اللون الأسود اللى على الصوانى والحلل من بره ومن جوه ) فعافت نفسى هذه الحلاوة ولم أشتريها بعد ذلك وكلما رأيتها تذكرت الأوانى السوداء ويد الرجل الملوثة .



إن هذه القصة تنطبق على الواقع فلكى تعيش وتأكل حلاوة عليك أن تغمض عينيك وأن تصم إذنيك وإن علمت شئ ً فعليك أن تصمت ، هذه هى الحياة الآن الكل لا يريد المعرفة بل يريد الحلاوة ، فإن للمعرفة طعم يصل فى بعض الأحيان إلى طعم العلقم ، لأن الواحد منا حينما يدرك انه كان مغيب وأن الدنيا تدور من حولة ولم يدر معها فإنه يشعر بمرارة فيضطر إلى أن يلجاء إلى الجهل لأن الجهل هو حماية لكل خائف وملاذ لكل من أراد الحلاوة ..ياحلاوة !!! .



يدرك كثيرون أن حكام الدول النامية يصرون على تجهيل الناس ، وعلى إلهائهم بسفاسف وصغائر الأمور ، وينتج عن هذا أن يظل الناس فى واد والحكام فى واد آخر ، فلا يفكر أحد فى تنمية ولا صناعة ولا زراعة ولا تعليم أو صحة لأنهم مشغولون بلقمة العيش لا غير ، فلو توافرت لقمة العيش سيفكر الناس لأنهم وجدوا ما كان يشغلهم عن التفكير ، والحكام لا يريدون لأحد أن يفكر .



إن النظم التعليمية فى مصر لا تؤدى بأى شكل من الأشكال إلى تعليم أى شئ ، فخريج تجارة لا يصلح لأن يعمل فى بنك أو أى شركة لأن ما تعلمه فى الجامعة لا يصلح للتطبيق لأنه ببساطة هذه المواد عفا عليها الزمن ، وأصبحت فى خبر كان ، وينطبق على خريج طب أو هندسة أو أى جامعة آخرى ما ينطبق على خريج تجارة ، فالمحصلة فى نهاية الأمر واحدة ، الجميع يحمل شهادة ولكن ما يحمله لا قيمة له ، وأذكر على سبيل المثال أنه فى الإحتفال بمؤية الجامعة المصرية تم تصوير حلقة من برنامج البيت بيتك من داخل الجامعة( جامعة القاهرة ) وعلى الهواء مباشرة وكان من الحاضرين الدكتور هانى هلال وزير التعليم العالي وسأل الطلاب الوزير فى بعض أمور ، وما لفت نظرى أن أحد الأسئلة كانت من طالب من طلاب جامعة القاهرة وكان سؤاله غاية فى الغرابة والسفه والجهل الناتج عن هذا التعليم العقيم وكان سؤال هذا المتعلم أن خريج الجامعة لا يجد عمل لأن الذى درسه فى الجامعة لا يؤهلة للعمل خارج الجامعة فلماذا لا تعطينا الوزارة دورات تدريبية تلائم طبيعة الشغل والعمل ؟! ، وبالرغم من أن هذا الطالب خرج من دائرة الجهل فى أول السؤال إلا أنه ما لبث أن عاد له فى نهايته ، فهاذا الشاب أدرك أن التعليم الذى يتعلمه لا يصلح العمل به وأنا أتفق معه فى هذه النقطة ولكن ما أثار غضبى هو طلبه فى معالجة هذه النقطة حينما قال أنه يريد أن يأخذ دورات تؤهله للعمل ، ولا أعلم لماذا طلب هذا الطلب الغريب مع أنه كان الأجدر به أن يطلب تغير المناهج التعليمية العقيمة التى لا تصلح لا للعمل بها أو غير العمل بدلا ً عن أخذ دورات تدريبية ، فالمناهج التعليمية تعتمد فى الأساس على الحفظ لا الفهم سواء أكان فى مرحلة الروضة أو المرحلة الجامعية ولا يختلف الأمر بين العلمى والأدبى ، وبالرغم من أن هذا النظام يعتمدى على الحفظ إلا أن الطلبة ينسون ما حفظوه بمجرد خروجهم من الإمتحان ، فينتج طالب لا هو فاهم ولا هو حافظ ، ونعم التعليم !!!



للخروج من هذه الدائرة الضيقة علنا بالقراءة فهى الحل الوحيد والمخرج الأكيد لكل ما نحن فيه الآن ولن أفرق بين قراءة الروايات وقراءة الكتب السياسية أو الدينية ، لأن قراءة نوع من الكتب تجر القارء إلى أنواع آخرى ، وأذكر أنى سألت شيخى ذات مرة فقلت له ماذا اقراء فقال لى اقراء أى شئ .






الخميس، فبراير ٠٧، ٢٠٠٨

قراءَ ـ فهمَ ـ إستـَمتعَ



تختلف قراءة المقالات عن قراءة الكتب اختلافا ً كبيرا ً ، فالشعور الناجم عن قراءة مقالة هو شعور فيه شئ من الإستمتاع خصوصا ً وإن كان الكاتب موهوب وممتع ، ولكن قراءة كتاب له شعور مختلف يصل فى بعض الأحيان إلى شعور بالنشوة والسعادة اللا متناهية بعد الإنتهاء من قراءة آخر حرف فى الكتاب وإغلاق الصفحة الأخيرة وترك الكتاب ، وهو شعور لا يستطيع أحد أى أن يصفه فلا يستطيع أحد وصف طعم أكلة خصوصا ً وإن كانت شهية فما بالكم بهذا الشعور الناجم عن القراءة فكما يقول أهل المتصوفة ( من ذاق عرف ) وأنا ذقت من هذا البحر العذب ، وأذكر أنى أنهيت ثلاثة كتب للشيخ محمد الغزالى وثلاثة كتب آخرى للدكتور إبراهيم الفقى وبعض الكتب الآخرى وأنا الأن اقراء كتاب ماذا علمتنى الحياة ؟ للدكتور جلال أمين ، وشعورى بعد الإنتهاء من قراءة فصل من الفصول هو شعور كمن غمس إصبعه فى العسل وذاق حلاوة طعمه ، فهو لا يريد التوقف عن لحس العسل وأنا لا أريد التوقف عن القراءة !!!!!
قراءة كتاب القراءة الذكية للدكتور ساجد العبدلى وهو كتاب جيد لكل من أراد ينهل من هذا الماء العذب ، وحصل عندى شعور بانى أريد أن ألتهم الكتب إلتهاما ً وأن أقراء عشرات بل مئات الكتب فى اليوم الواحد ، ولكن يذداد شعورى بالخيبة كلما ذاد عدد الكتب لدى وأنا لم أنتهى من قراءة الكتب القديمة وأصبح فى حيره هل اقراء القديم أم الجديد ، هل اقراء الأدب أم السياسة أم الدين ، ولكن تبؤ كل خططى بالفشل فى قراءة هذا الكتاب أو ذاك لأننى كلما قررت قراءة هذا الكتاب ظهر كتاب غيره أحق بالقراءه ، فأترك الإختيار للقدر يحدد لى ما اقراء وما أترك .
دائما ما يتهمنى أخى بأن قراءتى سريعه وأن علىّ أن أعى ما اقراء فأذكر أنى قراءة كتاب من 700 صفحة فى أقل من شهر فادعى أخى أنى لم اقراءه كاملا ً ، ولكن ظهر لى بعد قراءتى لكتاب القراءة الذكية أنى لم أكن سريعا ً على الإطلاق ولكن هناك من يقراؤون أسرع منى وبعمق أكثر وهو ما أكده لى الدكتور جلال أمين فى كتابه ماذا علمتنى الحياة والذى ذكر فيه أنه حينما كان فى انجلترا يحضر للماجستير والدكتوراة وكان مستواه فى القراء بطئ وحضر محاضرة ذكر لهم فيها المحاضر القراءة السريعة ومرنهم عليها بأن جعل صفحة من كتاب تعرض على شاشة ولكن يضئ كل سطر بالترتيب فلا يضئ غيره وجعل مدة اضاءة السطر تقل فينتقل للسطر الذى يليه وعليه أن يفهم السطر قبل أن ينتقل للسطر الذى يليه وهى عمليه أشبه بمشاهدة ترجمة فلم أجنبى وعليك أن تسرع من قراءتك للترجمة الموجدة على الشاشة قبل أن ينتقل لترجمة جمل آخرى ، وعرفت من ساجد العبدلى وجلال أمين أن القراءه فهم وليست حفظ نصوص حتى اتأمل رسم وشكل وهيئة الحروف والكلمات .