‏إظهار الرسائل ذات التسميات مشايخنا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مشايخنا. إظهار كافة الرسائل

الخميس، فبراير ٠٩، ٢٠١٢

فى صحبة "السيد" (2)

الشيخ أسامة بصحبة الشيخ أحمد معبد فى معرض الكتاب


مر عامان على مقالتى الأولى فى صحبة "السيد"، والتى كانت فى معرض الكتاب 2010، بصحبة ورفقة مولانا الشيخ أسامة السيد الأزهرى ولطول المدة بين هذه المقالة وما أكتبه الآن، قررت أن أجمع عدة مشاهد خلال هذه الفترة، فبدلاً من ذكر كل قصة على حدة، وقد تطول الحكايات وتكثر فيمل القارء، والهدف الأهم من هذه المقالة وغيرها، أولا هو الاعتراف بالجميل الذى يطوق عنقى من خلال موافقة شيخى لمصاحبته، والثانى هو أن أذكر بعض الفوائد التى استفدتها من الشيخ لكى أذكّر بها نفسى، ولكى تعم الفائدة، ولم أحدد مسبقًا ما سأكتبه، ولكنى اعتمدت على الذاكرة، فالله الموفق.

معرض الكتاب (2)

نبدأ من حيث انتهينا فى المرة السابقة، وهو معرض الكتاب، ولا يخفى عليكم أن المعرض العام الماضى قد أغلق بسبب أحداث الثورة، ولكن مع قرب موعد افتتاح المعرض 2012 سألت شيخى الكريم ونحن فى الجامع الأزهر الشريف بعد درس مولانا الدكتور نور الدين عتر، إن كان سيذهب غدًا فى أول أيام المعرض، فأكد "أنه ذاهب، ولولا أن يقولو أنى مسنى شئ لبت أمامه من الآن" فاتفقنا على الذهاب والصحبة، وقد كان، فقابلت الشيخ وذهبنا للمعرض، ولكن هنا ملاحظة لطيفة، وهو الفارق بين المرتين ، ففى الأولى لم تكن مرتبة وكان يغلب عليها طابع الدهشة، أما هذه المرة فالأمر مرتب وتغلب عليها نظرة الاستفهام أكثر من الدهشة، لأننى تعودت ـ كما سيأتى فى بعض المواقف ـ على رؤية الأشياء الغريبة من شيخى ويظهر عندما نسأل الشيخ عنها أن لها نظرة أخرى غير التى نظرنا بها أول الأمر.
أنا وشيخى، وكنت أريه يعض ما اشتريت، والذى فى يده كتاب القلوب الضارعة 
كعادة الشيخ ـ كما رأيت ـ حبه للصحبة والاستئناس، فدعا صديقنا مصطفى نشأت للذهاب معنا فى المعرض وكذلك صديقنا شريف عويضة، وانطلقنا نبحث عن عنواين معينة لأن الوقت كان قد ضاق، وقاربت الشمس على المغيب، ودرس مولانا العلامة نور الدين عتر بعد العشاء فى الأزهر، فذهبنا لصلاة العصر أولا، ووجدنا من تلامذة مولانا الشيخ أيمن الحجار والشيخ محمد عبد اللطيف والشيخ يوسف سفانى والشيخ محمد جمال، ومشينا ـ كل من ذكرت من السادة المشايخ ـ إلى بعض دور النشر كالفتح والبصائر والنوادر، يقودنا الشيخ أيمن الحجار، بعدما قدمه الشيخ أسامة وجعله أمير القافلة، ولم يحدث فى هذا اليوم شئ يذكر، لقلة الوقت، ولكن كان هناك شئ واحد هو تأذى الشيخ حينما حملنا الكتب وكانت كثيرة.
رأيت أن الصحبة لا بد أن تشمل صديقنا مصطفى ثابت الذى كان معنا المرة السابقة، فسألت مولانا عنه فقال نتصل به لكى يأتى غدًا، فوجدته مساءًا على الفيس فأخبرته بضرورة حضوره، وقد كان، وذكرته بالمرة السابقة وقلت له لقد ذكَّرت مولانا حينما ذهبنا نشترى كتب طه عبد الرحمن، ولقينا فى هذا اليوم شيخ الشيخ أسامة الدكتور أحمد معبد عبد الكريم، والمشرف على رسالة الدكتوراة التى حصل عليها الدكتور أسامة السيد الأزهرى يوم 4-7-2011 ، وسلم عليه الشيخ أسامة ورحب به كثيرًا وصحبه لكى يريه بعض الكتب وبعدها افترق عنا.
وفى يوم آخر ذهبنا لبعض الدور وذهبنا لسور الأزبكية للبحث والتنقيب عن بعض الكتب عن الأزهر الشريف، وهناك عرفت ان الكتب والمجلات القديمة يتم إعادة تصويرها وتجليدها وبيعها بأسعار خيالية، وكان ممن حضر فى هذا اليوم صديقنا الشيخ أحمد جمال وصديقنا عمرو يسرى.
إلى هنا وجدت نفسى ذكرت أشياء قد تبدو للبعض تافهة، لأنى لم أذكر بعض المواقف جليلة، أو الكلمات القيمة لمولانا، ولكن الحقيقة عكس ذلك فكل ماسبق قد كان تأكيد لحب الصحبة والاستئناس واختيار الرفقاء، وقد ندر من تجد يختار رفقاءه بعناية، ويحرص على الاستئناس بهم، كما يفعل مولانا الشيخ أسامة.
ولن أقدر على الوفاء بما وعدت أول المقال من ذكر عدة مواقف، لأنى وجدت أننى تجاوزت أكثر من خمسمائة كلمة، وقد كانت من سلبيات المقالة السابقة عن مولانا، هو الطول الذى قد يمل منه القارء، ولهذا فأكتفى بهذا 
القدرن على أن أستكمل بعض المواقف فى مرات مقبلة. 
لا يسعنى وأنا أنهى هذه المقالة إلا أن أقول جزاك الله خيرًا شيخى على موافقتك لصحبتى، وأنى مقصر معكم،  وهذه المقالة خير دليل، فأنا لم أوفيكم حقكم، وقد كتبتها على عجل، ولعل عذرى أننا كنا فى المعرض على عجل أيضًا فسامحنى.

الخميس، ديسمبر ١٦، ٢٠١٠

هذا ميراثنا.. فهل من وارث؟!

تدرجنا معًا فى الطريق إلى الله فقرأنا كتاب التربية والسلوك للإمام العلامة على جمعه وتعرفنا مثلا على خطوات الطريق إلى الله، وتحدثنا عن طريق الفرد إلى الله والفرد (العبد) هو واحد من الكل (الأمة) وعرفنا الطريق إلى الله بالعبادات كالصلاة والطوم ومحبة النبى ، ولكن نحن هنا نمشى فى طريقنا إلى الله بطريقة مختلفة ونتائجها لا تقتصر على الفرد (العبد) وحده ولكن نتائجها قد تعم الكل (الأمة) وهذا الطريق مقصوده الكل (الأمة) التى تشمل بالطبع الفرد (العبد).
ونحن هنا لن نبدأ من جديد، ولكننا سننطلق ـ إن شاء الله ـ من حيث توقف الوارثون عن تلقى ثرواتهم والتصرف فيها، فهيا نتعرف على هذه الثروة والميراث فى كتاب العالم الربانى محمد فتح الله كولن "ونحن نقيم صرح الروح" فيبدأ بالتعرف على العالم الإسلامى "يمر العالم الإسلامي كله في عصره القريب الأخير، بأشد أزمة واجهَته في تاريخه، من حيث الاعتقاد والأخلاق والنمط الفكري والمعارف والصناعة
العادات والتقاليد والأوضاع السياسية والاجتماعية... ومن أشد ما يؤلم، أن هذا العالم وقد ابتعد عن المحركات التاريخية والقيم الإسلامية التي رفعت هامته قرونا طويلة، وقع أسيراً في قيود الجهل والانحلال الأخلاقي والخرافة والأهواء البدنية والجسمانية، فانحدر من هنا إلى مهاوي الظلام والخسران، وانحدر من هاوية إلى هاوية... مبعثراً، كحبات المسبحة إذا انفرط
يطُها، أو كصفحات كتاب انحل عقدُها، مهاناً تحت الأقدام... مهزوزاً ومزعزعاً، كدحه هباء وكفاحه عقيم، مقصوم الظهر بألف تفرق وتمزق... حائراً حتى البله إذ يغنّي أناشيد الحرية وصدره يتشظى أنيناً في أعظم أنواع الأسر عاراً... أنانياً بلا هوية. أعلن العصيان على الله والرسول متمردا على الأفكار المحظورة(!) لكنه صار بائساً أشد من البؤس نفسه تنهشه مخالب كثير من الأفكار المحظورة الأخرى... بل مطلقِ المساس بها وإن كان إيماءً!.
ويتحدث عن وارثو الأرض "الدنيا تدور، وتدور. وكلما دارت، تنسحب إلى فَلَكها الأصل. فهل وارثو الأرض الحقيقيون جاهزون لاسترداد ميراثهم الذي أضاعوه، فخطفه غيرُهم قبل مدة؟ إن الحق الأول شيء، والحق المستلم بالتمثيل شيء آخر. فالحق إن لم يُمَثّل حسب مقاييس قيَمه الذاتية، يمكن أن يُسترد في كل وقت، وإن مُنح ابتداءً لأمة معينة وَجَمْعٍ معين... فيُستَرد منهم، ويُسَلَّم إلى من يكونون الأسبق والأفضل نسبياً في الخير، إلى أن ينشأ الممثلون الحقيقيون...ولئن حرّم مالكُ الملك الحقُّ الإرثَ عمن ادعى وراثة الأرض الحقيقية في مرحلة تاريخية كثيفة بالضباب والدخان، لأنهم لم يبذلوا الجهد اللائق بالوراثة السماوية كما ينبغي، فإن الخلاص من هذا الحرمان يبدأ من اللجوء إليه تعالى مجدداً... فلنسعَ مرة أخرى في إثبات أننا وارثو الأرض الحقيقيون بفهم الإسلام، مصدرنا الكافي لانبعاثنا المادي والمعنوي، كما هو في أصله، ثم بالانخراط في جموع عباد الله الصالحين: السالمين المتينين عاطفة وفكراً وحساً
شعوراً وإرادة، الثابتين القائمين على إعلاء كلمة الله، المنظَّمين في حياتهم العلمية... الموثوقين في سلوكيات العمل، المستقرين في شخصياتهم، القادرين على دحر نوازعهم النفسانية، الموفقين إلى ارتفاق القلب والعقل.
فعلينا أن نواصل المسير في هذا التوجه المفقود والخط المضيّع، بتوفيق الله تعالى ومشيئته."
وفى أثنا إكتشافنا خط السير يقول "إن إزالة هذا الانحراف الهرِم، المادّ جذوره إلى عصور خلت، المُمَدّ بالعلم والتكنولوجيا في عصرنا، بحاجة إلى اكتشاف أنفسنا من جديد، والعثور على ذاتنا، وإثارتنا للشعور الإسلامي من جديد بمنطق إسلامي وعقل إيماني، وإلى جهد متواصل وهمّة أصيلة وزمان كاف وصبر غير نافد وأمل حيوي وإرادة صلبة وتأنٍّ بعد تأنٍ. وبخلاف هذا، إن لم نجد أسلوبنا الذاتي، ولم نبرح تخبطنا في البحث عن سبل الخروج من الحفرة التي سقطنا فيها في غير مظانها، فإننا نخدع أنفسنا ونعرض الأجيال القابلة إلى الانكسار مرة أخرى.... فالخير في أن يتخصص امرؤ في فرع من الفروع، ثم يرتقي إلى ذروة عرش الكمال فيه، ويسعى إلى نيـل أرقى المنى في تلك السـاحة... لكن مع العناية بمعنى الكل ومحتواه وحاله، بل بمقصده وغايته، في أثناء سعيه وجده. ولا بد أن يتحقق هذا، سـواء بالشعور التضامني المشترك، أو بسائق العلم والحس، أو بعمل منسق متكامل، أو بالدهاء العقلي. فلا شبهة ولا شـك في حاجتنا الماسـة إلى هذا النظر الكلي والشمولي، والتقييم العمومي والموضوعي. نعم، الحاجة ماسة في أيامنا إلى عقلٍ موضوعي يتصور الأمس واليوم معاً، قادرٍ على التمعن في الكائنات والإنسان والحياة دفعة واحدة، موهوبٍ في الموازنة والمقارنة، منفتحٍ على بُعد أسـباب الوجود وعلله، محيطٍ بظهور الأمم والجماعات واضمحلالها، حَكَمٍ فيما يغلط فيه علم الاجتماع وعلم النفس أو يصيب، رقيبٍ على تحول أحـوال الحضارات بالولادة والموت والتقهقر، مقتدرٍ في التمييز بين الغاية والوسيلة، مالكٍ لسلامة الوجدان واسـتقامة الفكر، محترمٍ للمقصد، خبيرٍ بحكمة التشريع ومراد صاحب الشـريعة، عالمٍ بالأسس المحضة لأحكام الدين، مُستَقْبِلٍ للواردات الإلهية."
نحن نلخص خط كفاحنا كورثـة الأرض بكلمتي الحركية والفكر. وإن وجودنا الحقيقي لا يتم إلا عبر الحركية والفكر... حركية وفكر قادران على تغيير الذات والآخرين. والواقع أن كل كيان ثمرة حركة ومجموعة من المبادئ والتصورات، كما أن بقاءه مرتبط باستمرار هذه الحركة وتلك التصورات.... أن الباعث على انقطاع الإنسان عن الوجود وبقائه وحيداً بذاته، هو الشهوات البدنية والصراعات الواقعة في أطراف الجسمانية. وكل سلوان فارغ الفحوى وذي بُعد وهمي، يرجع في جذوره إلى تلك الشـهوات البدنية والصراعات الجسمانية. إن دنيا رجل الحركية والفكر الحقيقي، وسعادته في دنياه، ذات تلونات عالمية الشـمول مؤطرة بالأبد. فكأن دنياه لابداية لها ولا نهاية، أو أنها تتجاوز تصوراتنا. ولذلك، نتذكر أمثال أولئك حينما نقول "الإنسان السعيد". وهل تسمى "سعادة" بحق سعادة لها نهاية أو بداية؟.. فمن البديهة أن كل تصرف للمؤمن الحقيقي عبادة، وكل فكر منه مراقبةٌ، وكل كلام له مناجاةٌ وملحمةُ معرفةٍ، وكل مشاهدة منه للوجود تطلّع وتدقيق، ثم كل مناسـبة بأهل وطنه شفقةٌ رحمانية. وإن بلوغ هذا المعيـار من الرحمانية مرتبط بالانفتاح على الأحاسيس، فالمنطق والمحاكمة، ثم من المنطق والمحاكمة إلى الإلهام فالواردات الإلهية. وبإفادة أخرى، من العسير الارتقاء إلى هذه الذروة ما لم تمرر التجربة من مصفاة العقل، وما لم يُسلّم العقل نفسه للفطنة العظمى وما لم يقع المنطق في حال الحب عينه، وما لم ينقلب الحب أيضاً إلى العشق الإلهي. فإن تحقق، فبهذا النظر يكون العلم بُعداً من أبعاد الدين وخادماً لـه، والعقلُ طيفَ نور يصل به الإلهام أينما يشاء، والمكتسبات التجريبية منشوراً يعكس روح الوجود... ويصدح كل شيء بصوت أناشـيد المعرفة والمحبة والذوق الروحاني.
فيجب علينا "الابتعاد عن أثقال النفسانية ودوافعها كافة، والانفتاح على الروحانية، والنظر إلى الدنيا والعلم بها كصالة انتظار إلى الأخرى. وبإفادة أخرى، يتحقق هذا بتعميق الكمية في عباداتنا إلى النوعية، وبإطلاق النقص الحاصل في رياضية الأوراد والأذكار إلى الآفاق
للامتناهية بالنية والخلوصية، وبالمعرفة والاعتبار واليقين في دعواتنا ومناجاتنا وبثنا إلى الذات الإلهية الأقرب إلينا من أنفسنا. ولا يعي هذا المعنى إلا الذين يحسون الصلاة كالطائف في المعراج، ويستلذون من أداء الزكاة كحافظ الوديعة أو موظف التوزيع، ويعيشون الحج كندوة عالمية لتداول معضلات العالم الإسلامي، وفي أرضية يرصدون فيها نورانية ومهابة الروح والقلب والأبعاد الأخروية."... فإن تمثيلا في هذا المستوى لقادر في زمن قصير على تحقيق تصدرنا للأمم الأخرى في العلم والفلسفة والفن وحياتنا الدينية، وتقويم وحدات الحياة كلها على الطريقة المثلى، وجعْلِ أبنائنا المتشردين المنفلتين في الشوارع -سواء الدارسين منهم أو الأميين- رجـالَ الغد في الفكر والصنعة والمعرفة والفـن. فتتنفس الأزقة والشوارع هواء العرفان وكأنها أركان المدارس، وتصير السجون أوكاراً للعلم، وتزين الخمائلُ البيوتَ كزوايا الجنة. وفي كل مكان يسير الدين مع العلم يداً بيـد، وينثر احتضان الإيمان والعقل ثماره في كل صوب، وينبت ويزدهي المستقبل في صدر الأماني والآمال والعزم بألوان وأفنان لا يضاهيها خيال "المدن الفاضلة"، وتنشر التلفزيونات والراديوات والصحف والمجلات في جو الفضاء الفيوضات والبركة والنور، ويرتشف الكوثر كل قلب سائح في ربيع الجنة هذا ما خلا الذي كالرميم المتخلف من التاريخ."
ويستعرض إنسان الفكر والحركية "إنسان الفكر والحركية هو رجل الانطلاقة والحملة الحركي المخطط الذي يقوم ويقعد على خفقان شد العالم بالنظام مجدداً، ويمثل حركة إقامة صرح الروح والمعنى من جديد بعدما آل إلى السقوط ومنذ عصور، ويُفسر قيمنا التاريخية كرة أخرى، ويستخدم بمهارة مكوك الإرادة والمنطق في الفكر والحركة، وينقش على قماش روحنا ومعنانا زخارف مستظرفة وجديرة تناسبنا.

فهو في خط الحياة الممتد على مدى فصولها من الحس إلى الفكر، ثم إلى الحياة العملية، يتنفس النظام دوماً، وينشغل بحس البناء والإنشاء أبداً. إنه وليّ الحق اللدني الذي يُعِدّ "قادة أركان" الروح ومهندسي العقل وعمال الفكر، بدلاً عن استخدام القوة المادية لفتح البلاد ودحر الجيوش، وينفخ بلا كلل نَفَس البناء والإعمار فيمن حوله، ويرشد أعوانه إلى سبل عمران الخرائب. وليٌّ للحق جياش بالشوق والشكر، استطاع أن يوحد إرادته مع المشيئة المطلقة، وأن يحول فقره إلى الغنى، وعجزه إلى القدرة عينها. إنه لا يقهر أبداً ما دام يستخدم مصادر قوته هذه كما ينبغي وبحس الإخلاص والوفاء لصاحبها. وحتى حين الظن بأنه قد هُزم، فستجده على رأس فوج آخر للنصر والظفر."

ومن أمثلة هؤلاء أحمد حلمى فيليبه لى وفريد قام ومصطفى صبرى بك وأحمد نَعيم بَابَان زَادَه.... ومحمد عاكف وبديع الزمان سعيد النورسى.

ويتحدث عن صفات وارثو الأرض فيلخصهم فى ثمانى صفات. الوصف الأول لوارث الأرض هو الإيمان الكامل.والوصف الثاني للوارث هو العشق الذي يُعد أهم إكسير للحياة في الانبعاث من جديد. والوصف الثالث للوارث هو الإقبال إلى العلم بميزان ثلاثية العقل والمنطق والشعور. والوصف الرابع للوارث هو إعادة النظر في قراءته للكون والإنسان والحياة، وبالتالي مراجعة تصوراته الصحيحة منها والخاطئة. والوصف الخامس للوارث هو أن يكون حرًّا في التفكير وموقِّرًا لحرية التفكير. ويتحدث عن أن كل شيء اليوم توسع في التفريعات توسعًا يعجز الفرد الفريد عن حمل العبء، فحلت الشخصية المعنوية والتشاور والشعور الجمعي محل الدهاء. وهذا هو خلاصة الخطوة السادسة لورثة الأرض. والوصف السابع للوارث هو الفكر الرياضي. والوصف الثامن وهو رؤيتنا الفنّية. لكني بناء على ملاحظات معيّنة، أكتفي هنا بقول جولفر: "بعض الأوساط ليست على استعداد حتى الآن للانخراط في هذه المسيرة بمقاييسنا".

ويتحدث فى باب كامل عن الشورى وأهميتها "الشورى وصف حيوي وقاعدة أساسية لربانيي اليوم كما كانت للورثة الأولين. فهي في القرآن أبـرز علامات المجتمع المؤمن وأهم خصوصيات الجماعة التي تهب قلبها للإسلام. وتوضع الشورى في القرآن الكريم صفاً واحداً مع الصلاة والإنفاق ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾(الشورى:38) فينبه المولى تعالى إلى أن الشورى تعامل يترادف مع العبادة، ويبين هذه المسألة الحيوية في الأمر الإلهي بالاستجابة لله تعالى وذكر ضرورات الاستجابة ونتيجتها: الصلاة والشورى والإنفاق.

ويقول "قد يمط بعضهم شفتيه استخفافًا إذا ما ذُكِرتْ القيم الأخلاقية والأعماق الداخلية للإنسان وأهمية الحياة القلبية والروحية؛ لكن ما من شك في أن السبيل الواصلة إلى الإنسانية الحقيقية تمر عبر هذه القيم والحركيات السامية... وعندنا ـ كما هو فى حقيقة الإسلام الخلاص من المسؤلية أمام الله تعالى مرتبط بالجهد والهمة فى البحث عن طرق هذا الخلاص. نحن نرى سلامة مستقبلنا البعيد والقريب فى أن نكون ملجأ للأرواح الأخرى، وفى ضخ النور فى الإرادات الأخرى، وفى إعلاؤ القلوب الأخرى إلى الذرى...فعلى الإنسان أن ينظر إلى كل شيء وكل أحد بعين القلب، ويقيّمه بموازين القلب المتأهلة للاعتبار والتقدير لكي يعرف نفسه وما حوله حق المعرفة. ولا ينبغي أن ننسى أن الذي لا يحافظ على طراوة قلبه وصفوة روحه في كل أوان، ولا يقي نقاءه وطهره كنقاء وطهر الأطفال برفقة ثرائه الذهني والفكري والحسي في كل وقت، لن يوحي بالثقة إلى من حوله ولن يحوز على التصديق والإقناع قطعًا، مهما توسع في رحاب العلم والأدب والخبرة....فنحن لسنا بحاجة إلى حسنات ونُظُم فكرية تُستجدَى من الخارج أو الداخل، بل حاجتنا الماسة هي إلى أطباء روح وفكر يحفّزون في كافة أبناء أمتنا حس المسؤولية وشعور الهمّ المقدس... أطباء روح وفكر يُمَكّنون أرواحنا من الانفتاح إلى أعماق الماوراء وآفاق الغيوب بدلاً عن وعود السعادة المؤقة الزائلة، ويرفعوننا بخطوة واحدة إلى مراتب نرى فيها المبدأ والمنتهى معًا وسوية.

نعم، ننتظر أبطالاً يعشقون المسؤولية والقضية إلى درجة يتخلون فيها حتى عن دخول الجنة إذا لزم الأمر، بل وينقبّون عن مخرج إذا ما دخلوها من أجل توفية المسؤولية حقها... أبطالا يقولون: "واللهِ لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركتُه أو أهلِك دونه".نعم إنه أفق نبوي... وإن عقلا ممتلئا بأنوار يستمدها من هذا الأفق يقول متى استوجب الأمر خاضعا خاشعا: "ليس في قلبي رَغَبٌ في الجنة ولا رَهَبٌ من جهنم... وإذا رأيتُ إيمان أمتي في خير وسلام فإنني أرضى أن أُحرَق في لهيب جهنم..." أو يمد ذراعيه متضرعا مبتهلا: "إلهي، ضخِّم بدَني حتى تملأ به جهنم، فلا يبقى فيها مكان لغيري.." فتهتز السموات بأنينه وبكائه. إن إنساننا يحتاج اليوم أمس الحاجة إلى أبطال العمق اللدنيين الذين يذرفون الدموع على آثام أمتهم، ويقدمون مغفرة البشرية وعفوها على مغفرة أنفسهم، ويفضلون الوقوف والعمل في "الأعراف" سعداء بسعادة سكان الجنة، وحتى إذا دخلوا الجنة لا يجدون وقتا للاستمتاع بملذاتهم الشخصية."

وأصدقكم القول أنى لا أستطيع أن ألخص هذا الكتاب الماتع فى كلمات قليلة فى هذه التدوينة، رغم أنى نقلت لكم بعض أجزاء قليلة من الكتاب كنت قد خططتها أثناء القراءة ولهذا أدعوكم أيها القراء الكرام إلى قراءة هذا الكتاب لإقامة الأمة من جديد. ويمكنكم قرائته على موقع الشيخ فتح الله كولن.ويمكنكم قرائته على موقع الشيخ فتح الله كولن.ويمكنكم تنزيل هذا الكتاب من هنا

وفى النهاية لا يمكننى إلا أن أقول كما قال جلا الدين الرومى:

ما أحسن أن تهاجر من أرضٍ كل يوم،

ما أجمل أن تحط فى مقامٍ كل يوم،

ما أطيب أن تنحدر، زلالا ُ بلا جمد ولا كدر،

أمس، رحلت نفسى الحبيبة، أمس،

فالكلام كله يرجع إلى أمس،

وينبغى أن نقول شيئُا جديدُا الآن.


الخميس، نوفمبر ١٨، ٢٠١٠

التربية والسلوك


إذا نزل الغريب فى بلد فإنه يستعين بمرشد أو يهتدى بخريطة لتدله على الطريق، ولكن ماذا عن الغريب الذى نزل إلى هذه الحياة؟! ألا يحتاج هو أيضًا إلى من يدله على الطريق؟ أم أن عقله القاصر وحواسه الخادعة سيوجهانه نحو الطريق؟
فهيا بنا نحو الطريق.
ولكننا لم نحدد أى طريق؟!
إن الطريق الذى يمكن أن نقول عنه إنه طريق. هو الطريق إلى الله، لكن كيف نستدل على هذا الطريق؟ وبمن نستعين؟!
عن ابن عباس ، قال : قدم ضماد مكة ، وهو من أزد شنوءة ، وكان يرقي من هذه الرياح ، فسمع سفهاء من سفهاء الناس يقولون : إن محمدا مجنون ، فقال : آتي هذا الرجل لعل الله أن يشفيه على يدي . قال : فلقيت محمدا فقلت : إني أرقي من هذه الرياح ، وإن الله يشفي على يدي من يشاء ، فهلم . فقال محمد : إن الحمد لله نحمده ونستعينه ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ( ثلاث مرات ) ، وأن محمدا عبده ورسوله ، أما بعد . فقال : والله لقد سمعت قول الكهنة ، وقول السحرة ، وقول الشعراء ، فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات ولقد بلغن قاموس البحر ، فهلم يدك أبايعك على الإسلام . فبايعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له : " وعلى قومك " . فقال : وعلى قومي . فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية ، فمروا بقوم ضماد ، فقال صاحب الجيش للسرية : هل أصبتم من هؤلاء شيئا ؟ فقال رجل منهم : أصبت منهم مطهرة . فقال : ردوها عليهم فإنهم قوم ضماد . أخرجه مسلم
أرشدنى الله إلى هذا الكتاب، وهو ليس بكتا! ولكنه مجموعة خطب للإمام العلامة نور الدين على جمعه وعنوانه "التربية والسلوك" حيث يختص فى بناء النفس البشرية فى طريقها إلى الله.
وهذا الحديث الذى ذكرناه منذ قليل قد ذكره شيخنا الجليل فى خطبة له بعنوان "وإياك نستعين" وتحدث فيها شيخنا عن الاستعانة بالله وحده.
ورغم أنى كنت قد قررت أن أكتب وأستعرض ما فى هذا الكتاب من فوائد جمه، إلا أننى وجدت أن هذا فيه ظلم لشيخى وللكتاب و"الظلم ظلمات يوم القيامة" وهذا العنوان " الظلم ظلمات" كان عنوان خطبة للشيخ رائعة. ولأنه دعانا أن نعمل بالحديث الشريف ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ولأن (الدين النصيحة) فسأحدثكم عن خطبة رائعة ماتعة وهى (خطوات الطريق إلى الله) ويتحدث فيها شيخنا عن قضية هى من أخطر القضايا، فالكل يعرف المعلوم من الدين بالضرورة، لكن كيف يفعل المعروغ ويأمر به؟ وينتهى عن المنكر وينهى عنه؟ فيستعرض الداء " يسأل كثير من المسلمين، أن الشهوات تغلب عليهم، ثم يبصرون فيستغفرون ويرجعون ويتركون، ثم فورًا ينسون ويعودون إلى الشهوات كما كان الحال، فما المخرج من ذلك؟"
ويستعرض الداء بأكثر من صورة "إنما قد كثرت الذنوب وأحاطت بنا المعاصى، ومالت النفس إلى الشهوات؛ ردعها المسلم فلم ترتدع، وكرر عليها فلن تفعل، وكلما ذهب بها فرارًا إلى الله وإلى طريق الله خالفته وعصته، ورجعت به إلى طريق الشهوات، فكيف المخرج من ذلك؟"
وشيخنا ليس كغيره ممن يصرخون على المنابر مستعرضين الداء ولا يخبرون الناس بالدواء، فهو هنا أشبه بجراح ماهر شخّص الداء ووصف الدواء. وهو أيضًا يتمتع بأسلوب سلس سهل، فيأخذك فى رحلة فى بحار الإيمان كقبطان محنك تعود شق البحار! فيستعرض الدواء لهذا المرض الخطير فى عدة خطوات:
الأولى هى أن تنزل الرسول صلى الله عليه وسلم فى قلبك منزلة "الوالد للولد" حيث خلاه الله سبحانه وتعالى من أبنائه الرجال فيقول صلى الله عليه وسلم فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم : إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، وبعدما أنزلت رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلة المصاحب لك فى كل وقت وحين، فإذا بك تستحى أن تفعل الذنب وتستحى ألا تكون هناك همة، وتستحى من أن لا تذكر الله أو أن تنقطع عن ذكره سبحانه وتعالى، لأن أباك يراقبك ولأنه معك ولأنه مصاحبك، وبالتالى ستذكر الله كثيرًا بكرة وأصيلاً حتى يصبح الذكر عندك عادة قلبية وهذه هى خلاصة الخطوة الثانية
والثالثة هى أن ترى دائرة النور ودائرة الظلام، النور فيه طاقة وفيه بيان وفيه حلاوة وله طلاوة يكشف عن الحقائق، والظلام فى برودة ورائحته كريهه وأحواله مردية.
والله سبحانه وتعالى يثنى عليك لاتباعك نبيك ولإدراكك النور والظلمة ولذكرك له كثيرًا فينقلك من الظلام إلى النور، ومن الضيق إلى السعة ومن الاضطراب إلى الأمن.
ويؤكد على هذا المعنى" أيها المسلمون.. إذا أردت أن تُنقل من دوامة الشهوات إلى طريق الله فعليك باتخاذ النبى صلى الله عليه وسلم والد لك، ومصاحباً فى طريقك إلى الله، فإنه هو المبشر والنذير، وهو المبشر والشاهد، وهو المبشر والأخذ بيدك إليه سبحانه وتعالى، واذكر الله ذكرًا كثيرًا، وانتقل من دائرة الظلمة إلى دائرة النور بصلاة الله وملائكته عليك، ثم بعد ذلك استحضر نفاسة أجر الأخرة فى مقابلة تفاهة الدنيا بما فيها ومن فيها، فإذا فهمت ذلك واستوعبته وغيرت مفهومك عن الحياة الدنيا وعن الأخرة، واستصحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم معك كل يوم، فسيعينك ذلك على نفسك فى طريق ربك"
وهو فى خطبة أخرى يقول" الطريق إلى الله يبدأ بالذكر وتتوسطه التربية وينتهى بالمراقبة والخلوة"
وبمكننا القول أن هذا الكتاب هو رحلة إيمانية فى الطريق إلى الله. رحلة من قرأ وفهم وجرب وذاق و"من ذاق عرف ومن عرف اغترف" وهذا الكتاب هو غرفٌ من بحر الإيمان.
والكتاب ـ كأى كتاب ـ له مميزات وله عيوب وإن كانت إحداهما تطغى على الآخرى، فالكتاب طبعته جيدة صفحاته تتمتع بالهدوء والكلمات واضحة والهوامش أسفل كل صفحة ليست بالصغيرة، لكن كان هناك بعض الأخطاء المطبعية وخصوصًا فى أية من القرآن الكريم ـ وهى واحدة فقط ـ ولا أفهم سر هذا العدد الكبير من الصفحات البيضاء خلف كل خطبة وخلف صفحة أفكار الخطبة التى تسبق الخطبة وإن كانت صفحة الأفكار جيدة إلا أن الصفحة التى تليها الخالية غير مبررة، مما جعل الكتاب يزيد فى عدد صفحاته عن الأربعمائة صفحة. وهذه الأخطاء والملاحظات لا تضر الكتاب كثيرًا ولكن نذكرها للتنبيه لشركة الوابل الصيب التى أنتجت هذا الكتاب وهى مشكورة على ذلك.
وهناك ملاحظة أخيرة، وهى تخريج أحد الأحاديث والاستشهاد بالشيخ الألبانى! والملاحظ فى الكتاب هو الاعتماد الدائم على البخارى ومسلم واحمد وغيرهم من العلماء الأوائل فى علم الحديث.

الاثنين، نوفمبر ١٥، ٢٠١٠

شيبتنا المنابر


فى بحر الحياة الهادئة تسير الهوينى، لكن إذا ما بلغ العصف مداه واشتد الريح وعلا الموج فوق طاقتك، فعليك بالمرونة وإلا مصيرك كالشجرة التى لا تميل مع الريح!
فى غربتى الجبرية أتعرض كل يوم لمواقف تحتاج إلى المرونة. أحد هذه المواقف هو إجبارى على الخطابة رغم أنى لست مؤهل لهذا.. لا بالشهادة.. ولا بالعلم!.
بعد صلاة العصر وجدت جماعة من الشباب يتجاذبون أطراف الحديث، أنا أعرفهم وهم كذلك، قال لى أحدهم حضر، قلت له أنا لست أهلا لهذه المهمة، حاولت التهرب فلم أفلح، حتى حيلة أنى لا أستطيع الخطابة شفاهة ولكنى سأضطر أن أخطب من ورقه لم تفلح، وقالوا لى اخطب كيفما اتفق لك، فأنت مؤهل عالى ومتدين وتقرأ كثيرًا حتى كدت أن ألعن القراءة التى تجعل من قارء روايات خطيب فى مسجد!.
أمدونى ببعض الكتب لوعاظ (سلفيين) فحضّرت الخطبة على مضض، وجاء اليوم الموعود، دخلت المسجد، صليت ركعتين بعد الأذان، وأتبعتهما بركعتين، وجدت الجميع ينظرون إلى منظرين صعودى! وصعدت المنبر، وكان كما قال شيخنا الإمام العلامة الدكتور على جمعه(شيبتنا المنابر) ما هذا! لو أنى فى مكان آخر لتحدثت الساعات دون توقف!!! لكن فى هذا المكان وعلى هذه الدرجات التى وقفت عليها، فقد ألجمت رهبة الموقف لسانى! مع أنى اقرأ من كتاب، ليس على أن أستحضر الأفكار وأرتب الكلمات لآكون جمل! فكل المطلوب منى أن اقرأ لهم الخطبة! لكنى تلعثمت!
قررت عند نزولى أجازة أن أشترى خطب شيخنا الجليل د. على جمعه لأخطبها!
اصطدمت بمشكلة! الجمهور سلفى، وأنا قلبى معلق فى قنديل موضوع برواق الأتراك بالجامع الأزهر. كل من شاهد كتاب الخطب لفضيلة الإمام العلامة قال لى ألم تجد غير (على جمعه) لتخطب من كتبه ـ ينطقون اسمه مجرد من أى لقب حتى ولو كان كلمة شيخ ـ! بعد أول خطبة وكانت عن أعظم مخلوق ـ صلى الله عليه وسلم ـ سألت أحدهم عن الخطبة فقال لى جيدة، فحمدت الله. وشرعت فى قراءة الكتاب/ الخطب كلها وقد كانت أكثر من رائعه، ولهذا حديث أخر.

السبت، مارس ٠٦، ٢٠١٠

عودة الفرسان


فتح الله لديه سر ليس يبوح به!..
فتح الله لديه سرّ تنتظره الدنيا، لكن لا يخبر أحدًا!..
فتح الله يحمل فى قلبه ما لاطاقة له به، ولذلك لم يزل يبكى حتى احتار الدمع لمأته!
فتح الله وارث سر، لو ورثه الجبل العالى، لانهد الصخر من أعلى قمته، ولخرت أركان قواعده رهبا!
فتح الله فارس ليس تلين عريكته، ولا تضعف شكيمته! ولصوته فى الكرِّ أشدُّ من فرقعة الرعد! يقاتل فى النهار حتى تذوب الشمس فى دماء البحر، فإذا خلا لأشجان الليل بكى..!
مكين الوثبة كالأسد، حاد الرؤية كالصقر، رهيب الصمت كالبحر، إذا سكت خطب، وإذا نطق التهب! وإنه ليشف كالزجاج إذا هو كتب!
كل الناس يعرف فتح الله، وكل الناس يسمع فتح الله، ولكن لا أحد يعرف ماذا يريد فتح الله! فلم يزل سره فى صدره يقبع فى الأعماق مثل اللؤلؤ المكنون!.. ومن يدرى؟ فلعله فارس لم يشرق بعد زمانه! ولا حان وقته وإبانه! وأى بلاء أشد على المرء من أن يعيش قبل أوانه؟ ويعاشر غير أهل زمانه؟

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...

حقيقةً لا أعرف هذا الشيخ، ولم أسمع به من قبل، إلا من عدة أشهر، وكأننى كنت على موعد معه، وحان الوقت، فانفتح الباب، وهدمت السدود، ومدت الجسور، وأدركت أن وقت الدرس قد حان، ولا بد لى من قلم وقرطاس، فها هو المعلم قد ظهر، ولم يبق لى غير التدوين خلفه!
فسألت راوى الأشجان عن سيرة الشيخ؟ فقال لى من أين عرفته ومتى؟ فقلت له لم يدم على معرفتى به بضعة أشهر!
أخبار من هنا وهناك متناثرة جمعتنى بالشيخ، حتى كان انعقاد مؤتمر مستقبل الاصلاح فى العالم الاسلامى، وسمعت أكثر عن الشيخ، ورغم أنى لم احضر المؤتمر إلى أن أخى ذهب وجاء بمجلة حراء وبعض الكتب للشيخ، ومن هنا كانت البداية الحقيقة للتعرف، حيث أنى بدأت الدخول على الموقع الخاص بالمجلة وبالموقع الشخصى.
ورغم أن سيرة الشيخ المكتوبة باللغة العربية والمنثور فى الفضاء الالكترونى غير كبير، فسيرة الشيخ تعرفت عليها فى معرض الكتاب حيث وجدت رواية
{"عودة الفرسان" سيرة محمد فتح الله كولن، رائد الفرسان القادمين من وراء الغيب} للشيخ الأديب فريد الأنصارى، وهى رواية شاعرية، مكتوبة بمداد الحب ومروية بماء الإخلاص!
فارتشفت الرواية وشعرت بالظماء!.. لا تتعجب، فسيرة الشيخ عطرة والرواية نضرة، ولك أن تعرف رغم أن الرواية رائعة، إلا أنها قليلة فى حق الشيخ فتح الله كولن.
ومع أنى قرأت بعض سير المفكرين إلا أن سيرة الشيخ حقًا عجيبة، ففيها مجاهدة للنفس وجهاد فى سبيل الله، وسنستعرض سيرة الشيخ من خلال الرواية البديعة، والتى ذكرت بعضًا منها فى مقدمة هذه المقالة وسنكملها فى مقالة قادمة أو مقالات، حسب ما سيرويه لنا راوى الأشجان..!

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...

فتح الله لا يملك من هذه الدنيا سوى ملابسه القديمة، ومحفظة أحزان صغيرة تصحبه تصحبه أنى حل وارتحل لم يزل يحتفظ فيها بثلاثة مفاتيح عتيقة!
الأول: مفتاح "الباب العالى" فى اسطنبول، والثانى: مفتاح" باب الحِطَّةِ" فى المسجد الأقصى، والثالث: مفتاح جامع قرطبة فى أندلس الأشجان!
رجلٌّ وحده يسمع أنين الأسوار القديمة، ونشيج الريح الراحل ما بين طنجة وجكارتا! وبكاء النورس عند شواطئ غادرتها سفن الأحبة منذ زمن غابر، ولكن لم يشرق لعودتهم بعد شراع!.. فيبكى!
رجل وحده يسمع صهيل الخيل القادمة من خلف السحب، ونداء الغيب المحتجب، إذ يتدفق هاتفه على شاطئ صدره، فينادى من على منبره: "ألا يا خيل الله اركبى!.. ويا سيوف البرق التهبى!"..
ويرى ما ليس يُرَى .. فيبكى!



الثلاثاء، فبراير ٠٩، ٢٠١٠

فى صحبة "السيد"

كان الذى كان، وكأنه ما كان!

كأنه الحلم، وتحقق!

لا بل هو حقًا حلم وتحقق!!!

كنت أعد العدة للسفر للذهاب لمعرض الكتاب، ولكنى قلت أسافر الجمعة صباحًا وأصلى فى المقطم مع شيخنا يسرى رشدى السيد جبر فى مسجد الأشراف، وأقابل أيضًا شيخة أسامة السيد الأزهرى، ولكن الله لم ييسر السفر يوم الجمعة فكان السبت صباحًا.
ذهبت للمعرض مع صلاة الظهر، فكان على أن أصلى قبل كل شئ، حتى أستريح وأنا أمشى ويذهب عنى إحساس الذنب الذى يظل يلازمنى كلما أجلت صلاة، فصليت فى المسجد لأنى لم أجد أحدًا يصلى فى الحدائق الممدوة بطول وعرض المعرض، وبعد الصلاة دخلت الجناح المقابل للمسجد وهو سراى (جناح) ألمانيا، رغم أن هذا الجناح ليس ضمن اهتماماتى لعدم وجود المكتبات التى أفضلها بداخله، ولكنه القدر الذى جعلنى أدخل، ودخلت أول صف فى اليمين ، ولا أعرف لماذا، ولكنه القدر.
وكانت المفاجأة، فبعد أن كنت أنظر وأنا لا أرى المعروض أمامى من الكتب ـ لعلى كنت مسير لهذا الذى سيحدث فلم أرى شئ حتى لا ألتفت له فيشغلنى ـ وكان النداء الذى لم أكن أتوقعه، مع أنى تخيلته مرات، حقيقـةً مع أنى تخيلت الذى سيحدث ولكنى لم
أكن أتوقع حدوثه على أرض الواقع ولا بهذه السرعة الذى حدث بها، وأول شئ بعد الصلاة.
لم يكن النداء من كتاب من ورق!!!، ولكن من كتاب من لحم ودم!!!
كان النداء الذى أسعدنى هو نداء شيخى أسامة لى..
"إزيك ياشيخ عبد الله"

فالتفت لأجده واقفًا أمامى يمسك بأحد الكتب،ويلبس ملابس عادية ـ ملابس الفرنجة بنطلون وقميص وجاكت كبير يصل إلى ركبته ـ فدار فى رأسى سؤال، كيف لم أره؟..
ولكنى سلمت عليه وملت لألثم يده لكنه سحبها بلطف، سألنى عن عدم ظهورى، فأجبت أنى أعد العدة للتقدم للتجنيد، دعا لى بالتوفيق، فسالته عن اسم كتاب ينصحنى به فأشتريه، لكنه غاب عنى، بين الكتب والأوراق، حتى التفت فجأة فوجدنى، وكأنه لم يكن يتوقع وجودى أو كأنى ظهرت فجأة، فتذكر.. وابتسم، فسألته عن اسم كتاب ينصحنى به.. فغاب مرة أخرى، ورغم سعادتى باللقاء لم أكن أعرف ماذا أفعل، هل أمشى وأتركه يغيب بين الكتب؟ أم أنتظر حتى يفاجئ بى مرة أخرى؟، حقيقـةً لم أكن أعرف، فتجولت داخل دار النشر اللتى كنت أقف على بابها فلم أجد ما يشدنى، فاحترت مرة أخرى، فقررت الرحيل وقلت لو أن لى نصيب من اللقاء أكثر من هذا فسنلتقى، فمشيت، وظللت أدور بين دور النشر، ودخلت الصف الذى يليه، وكان النصيب الذى كان قد قدر، فوجدت شيخى مرة أخرى فى دار تفصل بين الصفين ومفتوحة من الجانبين، فرأنى فسلمت عليه ولثمت يده، فسألته عن اسم كتاب ينصحنى به، وذكرته أنه قد طلب من نحن المصلين فى مسجد السلطان حسن وهو واقف فوق المنبر أن نقرأ كتاب "بداية الهداية" للإمام أبو حامد الغزالى وقال أن هذا الكتاب صغير الحجم عظيم النفع، وقد كان، فسعدت به بعدما اشترينه وقرأته، وفى السنة التى تلتها نصحنا أيضًا من على نفس المنبر أن نقرأ كتاب "التفكير فريضة إسلامية" للأستاذ عباس محمود العقاد، فاشتريته وتعرفت من خلاله على الأستاذ العقاد وسعدت به أيضًا، ولكن
ى لم أكد أكمل كلامى حتى كان الذى عهدته منه، غاب عنى الشيخ!!!، فروجته أن يخبرنى حتى لا أعطله.. فصمت!، فحدثنى نفسى بأنى لا أريد أن أبتعد عن الشيخ فقلت أسأله الصحبة فإن وافق كان بها وإن كان العكس فلا ضير، وكنت قد لاحظت أن معه شيخ وشخص أخر لا أعرفهما، فتلفت الشيخ فجأة وسأل عن الشيخ أشرف فعرفت أنه الذى كان واقف بجانبه ويلبس الجلباب فنظرت فى الصف الثانى ورجعت لأخبره بأنه ليس موجود به فقال ها هو فى الأمام ومشى فمشيت خلفه، وكأن الذى دار فى رأسى قد وكأن البحث والمشى خلفه هو استأذان بالصحبة، فوقفنا أما رأس الصف الثانى أو الثالث لا أذكر ولكنه ـ شيخى ـ سأل الشيخ أشرف عن كتاب لطالب علم فسالنى الشيخ أشرف بعدما وجه لى وجهه هل كتاب فى الفقه؟ فقلت فى أى شئ فقال "أى شئ" هذه واسعة.. وسكت ولم يجب، فسألنى شيخى عن كتاب مجالس الصالحين وهل هو عندى ـ حقًا لا أذكر اسم الكتاب بالتحديد ولكنى أعتقد أن هذا اسمه ـ فقلت لا فقال عندى نسختان ولك واحدة فشكرته.
وكنا قد وصلنا إلى دار النيل للنشر وهى دار تنشر كل أعمال الشيخ محمد فتح الله كولن من تركيا فنظرنا إلى بعض الكتب ومشينا، ودخل شيخى دار نشر وظل ينظر للكتب ويغيب بين عناوينها وترك شنطة بها كتاب له على أحد الأرفف فتوجهت ناحية الشنطة وأخذتها فن
ظر لى الشيخ أسامة وقال لى جزاك الله خيرًا فابتعدت عنه قليلاً حتى أترك له المجال للنظر، فحمدت الله على أنه وافق على الصحبة بدون أن أطلبها، وكأنه قرأ ما يدور فى نفسى فحمدت الله مرة أخرى.
وتذكرت فى هذه اللحظة مقالات الشيخ التى يكتبها وتذكرت مقالة مميزة كانت لها ذكرى، فقد كتب شيخى مقالة عنوانها "هيا بنا نسرق" التى وضعتها على مجموعة الشيخ فى موقع الفيس بوك ووجهن رسالة لكل الأعضاء عنوانها "شيخ يدعوا للسرقة" ووضعت رابط للمقالة، وكان رد أحد الأعضاء عنيفًا بأن الشيخ أعلم منى ومن أهلى، ورغم أنى كنت متفق مع ما قاله هذا العضو ولكنى رأيت أنه لم يفهم مقالة الشيخ أو أنه لم يقرأها، فرددت عليه بأن الشيخ هو الذى كتب المقالة وهو واضع عنوانها وإن لم يكن هو واضع عنوانها فهو موافق على
هذا العنوان بدليل أنه لم يعترض وهو أيضَا فى داخل المقالة يدعوا للسرقة، فقرأ المقالة واعتذر وأصبحنا أصدقاء، ولكن الذى شجعنى على صحبة الشيخ هو دعوته للسرقة التى جائت فى المقال فتحدث فى البداية عن الرفيق فقال:
"هل يرتفع الطائر بلا جناح؟!!
هل تبصر بلا عين؟!!
هل تسير بلا قدم؟!!
هل تعيش بلا روح؟!!
هل ترحل بلا رفيق؟!!!
***************

الرفيق....
الذي إذا نسيت الله ذَكّرك.
وإذا ذَكَرته أعانك.

وإذا توجهت إلى الله دَفَعك.
الرفيق..
الذي سطعت مكارمه.
وظهرت شمائله.
وزاد بالله تعلقه.
ورأيت في صفحته النقية همم الأكابر.
وأخلاق الصالحين.

الرفيق..
الذي اتضحت عنده الوجهة.
وامتلأ بالعزيمة والذكاء والفكر الحر..
والعقل المبدع..
وفهم سر الحياة..
وعرف مراد الحق سبحانه..
وآثر الله على ما سواه.
وتعلق بالملأ الأعلى..
الرفيق..

الذي صار عبدا ربانيا..
يقوم بواجب وقته..
ويسعى بين الناس بالهداية..
ويتشرف بوراثة النبيين..
ويتحرك في الأرض بالعمران، مع الإنابة إلى الدار الآخرة."

ولم يكد الشيخ يكمل المقالة حتى شجعنا على السرقة فقال:
"
طبع الإنسان شديد الحساسية والتأثر..
يلتقط بسرعة...

وعلى نحو شديد الخفاء...
وتنطبع فيه المعاني الدائرة في طباع الآخرين..
فإذا خالط الإنسان رفاقه تلاقحت عقولهم..
وتبادلوا المعارف والخبرات...
والطبع من وراء ذلك يختلس من طباعهم..
وتسري إليه -على نحو خفي- سجاياهم وعاداتهم...
فإن كانوا أهل رفعة ونور وبصيرة وجد الإنسان في اجتماعه بهم انشراحا.
وإقبالا على الله.

وزيادة في همته..
وأيقظوا أشرف ما في النفس من شمائل.
وإن كانوا غير ذلك فإن الطبع ينتكس بمخالطتهم..
ويجد الإنسان في نفسه فجأة أخلاقا غريبة حادة، لا يعرف من أين أتته.
ويوقظون أدنى ما في النفس من طمع وحرص ودنيوية، وبعد عن الله، وانقطاع عن الملأ الأعلى..
حتى عبر ابن الجوزي -رحمه الله- عن هذا المعنى تعبيرا لطيفا جدا، لا يمكنك أن تنساه، قال: "وينبغي أن يُعْلَمَ أن الطبعَ لِصٌّ، فإذا ترك مع أهل هذا الزمان سرق من طبائعهم، فصار مثلهم، وإذا نظر في سير القدماء زاحمهم، وتأدب بأخلاقهم".
نعم، الطبع لص، يسرق بلطف.
ونحن نريد أن نتيح له السرقة من شمائل الصالحين، وأخلاق المتقين.
فإنها أشرف سرقة عرفها الإنسان في تاريخه."

ويدلنا الشيخ على هذا الرفيق:
"
ولكن..........
أين أجدهم؟؟؟؟؟؟؟؟؟
وكيف أتوصل إليهم؟؟؟؟
وهل لمثل هؤلاء وجود؟؟؟
*******************


هناك أحد احتمالين:
أن يوفقك الله إلى صديق من هذه الفئة بدون تعب..
أو أن تتعب في البحث فلا تجد..
وحينئذ.........
إليك الحل....
هم يملأون الدنيا من حولك..
ولكنك تعزل نفسك عنهم..
خذ كتابا من الكتب التي شرحت أحوال الأكابر من هذه الأمة..
واستخرج لنفسك منه رفيقا..
وشيخا..
تعيش معه..
وتنقب عن تفاصيل حياته..
وترى أحواله الشريفة الزاكية..
وتخالط أنفاسه..
وتدعو له..

وتكون معه..
فقد فنيت أجسادهم..

وبقيت شمائلهم وأحوالهم..
وهم أحياء عند ربهم يرزقون..
فإذا اشتد تعلقك بهم كنت معهم..
ولا يضرك حينئذ بعد الزمان ولا المكان..
فقد قال لك الله كن معهم فكنت معهم...
ولهذا السر امتلأ القرآن بسير الأنبياء والمرسلين والصالحين.
{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ} سورة يوسف، آية 111.
فكن يا صديقي من أولي الألباب، ينفتح لك الباب."
فتذكرت كل هذا الكلام وقلت أنا معى الرفيقان الصديق الذى من لحم ودم وهو شيخى والصديق الكامن بين الكلمات وفى الأحرف الموجود داخل الكتب، فحمدت الله.

وكانت الصحبة، فظللنا نمشى، الشيخان فى الأمام وأنا وواحد أخر خلفهم، وكلما اشترى شيخى كتاب أخذته، فقلت لنفسى فلتكن الخادم وليكن شيخى هو السيد، ألم يطلب سيدنا موسى من سيدنا الخضر أن يتبعه {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا}، وأنا لست مثل سيدنا موسى، أأكون أفضل منه، وأنا بكل تأكيد سأستفيد، على الأقل سأستفيد كيف ينظر شيخى للكتب وعلى أى أساس يشترها وأشياء أخرى لا أعرفها ولكنى سادركها فى وقتها {قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا }، {فَانطَلَقَا}.

وانطلقنا نحن بين جنبات الجناح، ولاحظت أن شيخى يذكر للشحص الذى معنا ولا أعرفه أننا قربنا على الانتهاء، حتى وقعت عينى فى عين هذا الشخص فابتسمت له فرد على بابتسامة، ولكنى أعتقد أنى رأيته من قبل فشكله ليس بغريب علىّ، فذهبت له وسلمت عليه وسألته عما إذا كنا نعرف بعضنا من قبل فشكله ليس بغريب علىّ، فجاوبنى بسؤال وقال لى منذ متى تعرف الشيخ أسامة؟ فقلت له منذ حوالى تثلاث سنوات أو أربع، فقال لهذا أن تعرفنى، قلت له أرأيتك مع الشيخ من قبل، فقال أنا أخوه وفينا كثير من الملامح ـ أو كما يقول المصريين بينهما شبه ـ قلت نعم ولكن لماذا لم ألاحظ هذا، أيكون لعدم وجود ذقن، قلت ربما وظللت أنظر له ولشيخى!!!، وعرفته بنفسى وعرفنى بنفسه فقال عصام السيد ـ أتمنى أن تكون الأسماء دقيقة فبعد الزمن قليلاً وكثرة المشاغل قد تنسينى الكثير فأرجو المعذرة ـ وتحدثنا قليلاً ومشينا خلف مشايخنا فقد حدثنى الأستاذ عصام عن أنه يرى الشيخ أسامة شيخه رغم أن الشيخ أصغر منه سنًا، وذهبنا إلى دار نشر تعرض أعمال الأديب العالمى باولو كويلهون ونظر شيخى لرواية الخيميائى وقال للشيخ أشرف هذه الرواية من أكثر الكتب مبيعًا وهى قد احدثت ضجة، فقلت هى جيدة، ولا أعرف لماذا تحدثت هل حاولت أن أظهر لشيخى أن مثقف وقارء ! لا أعرف! ولكنى شيخى كان رحيمًا فسألنى إن كنت قد قرأت رواية عزازيل فقلت له نعم، فسألنى عن ماذا تتحدث الروايتان، فأجبت بأن الروايتان يجمعهما فكرة البحث فبط الخيميائى يبحث عن الكنز الذى قيل له عنه ـ لا أذكر اسماء الأشخاص فى الرواية للبعد الزمنى للقراءة ـ والبطل فى عزازيل الراهب هيبا يبحث عن الحقيقة، حقيقة الأشياء، فهو غير متيقن من حقيقة الأشياء التى يتداولها الناس فهو يشك فى كثير مما يقال عن السيد المسيح وألوهيته، وأنه ابن الله، وتمثله فى الجسد، فهو يبحث عن حقيقتها كما يبحث عن التعلم، تعلم الطب ـ ربما تكون إجابتى هنا أكثر وضوحاً مما قلته لشيخى ـ، فانطلقنا حتى خرجنا من الجناح وقد كنت حملت الكثير من الكتب، فقال شيخى نذهب ونضع الكتب فى السيارة وكان هذا بعدما استشار شيخى الشيخ أشرف عن الوجهه وكبف نمشى وأين نذهب، وذهبنا ووضعنا الكتب وأهدانى شيخى كتابه "صائد اللؤلؤ" وهو عبارة عن جزء من مقالاته التى ينشرها على موقع بص وطل، فشكرته، وصلينا الظهر، وجعل شيخى الشيخ أشرف هو الإمام، وكنت اقتربت من الشيخ أشرف بعدما تقدم خطوات للأمام للذهاب لموضع الصلاة القريب من السيارة، وسألته بأدب عن اسمه وأنى أعرف أن اسمه الشيخ أشرف وفقط ولا أعرف عنه شئ فقال لى أنه الشيخ أشرف مكاوى شيخ مسجد فى منطقة 6 اكتوبر، وقد قالى لى أخى بعد ذلك أنه كان شيخ مسجد السيدة نفيسة، وكنت انا قد سمعت به من قبل، فرحبت به، ولا حظت قبل الصلاة أيضًا ونحن فى طريقنا للخروج من جناح ألمانيا أن هناك شاب يمشى معنا لا أعرفه، وبعد الصلاة التى صليتها أنا للمرة الثانية حيث كنت قد سبقتهم حينما دخلت المعرض.

ولا أعرف هل نفسى التى حدثتنى أم الشيطان بسؤال كيف يؤخر هؤلاء المشايخ الصلاة، أليس الواجب أن يصلوا الصلاة فى أوقاتها، ألم يروى أن أحب الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها، فلماذا أخر الشيخان الصلاة، ووجدت سؤال يدور فى رأسى أواهذا الذى كنت تبغيه من الصحبة؟ فاستعذت الله، وقلت حسب علمى هذا خطأ وفد يكون فى الأمر إباحة عند الإنشغال، ولكنى أكدت على أن هذا الأمر خطأ وما كان يجب أن يخرج منهما، ولذت فى صمتى.

فانطلقنا وافترق عنا شقيق شيخى ودخل سراى 5 التى بها الأهرام لبعض حاجته وصمم شيخى على أن نشرب شئ فشربت أنا والشيخ أشرف شاى وشيخى شرب عصير والأستاذ مصطفى ثابت الذى كان يصحبنا منذ البداية شرب عصير، وكنت قد تعرفت على هذا الشاب النابه، جميل الخلقة والخلق، فهو درعمى ـ من كلية دار علوم ويقال للذى ينتسب لهذه الكلية درعمى ـ وقد دار بيننا حديث عن شيخى.

وبعد الاستراحة وهبوب بعض النسمات وهطول بعض القطرات من ماء السماء، وكأنها نزلت من السماء لتروى الكتب بمائها فيخرج كل كتاب سنبلة وفى كل سنبلة مائة فائدة والله يضاعف ما يشاء، أنشد لنا أستاذ مصطفى بعض أبيات من الشعر نسبها لصديقه، وقد علق الشيخ أشرف على صاحب الأبيات بأنه سينتظر كثيرًا حتى يصبح شاعرًا، وقال كيف يقول فى شعره "وينثر الشعر فى جيبى"، أينثر الشعر فى الجيب! هذا عجيب! وهذا ليس تصويرًا، ووقفنا لننطلق واستشار شيخى الشيخ أشرف عن الوجهة والطريق، فاقترح سراى كندا، وعند الباب طلب شيخى من الأستاذ مصطفى أن يجلب له كتب طه عبد الرحمن، وهنا لم أعرف ماذا أفعل أأذهب مع الصديق الجديد لشراء الكتب أم أظل مع شيخى، فنظرت لشيخى حتى يخبرنى بما يريد، وكأنه قرأ ما فى رأسى من أسئلة، فرد على أسئلتى بسؤال! "تحب تروح مع الأستاذ مصطفى" يخيرنى بين البقاء معه أو الذهاب مع مصطفى، وكأنه يطلب ولكن فى خجل، فقلت له سأذهب معه لنشترى الكتب، فأنا سأنتظر الشيخ حتى يجلب كتبه وأنا سأنظر هنا وهناك على المعروض، فقلت أن فى الذعاب فائدة أكبر، وهو مشاركة هذا الشاب ومعاونته، وقد كان، فافترقنا شيخى والشيخ أشرف، ومصطفى وأنا، ومشينا نتحدث عن شيخى فبدأت بأن الشيخ أمره عجيب فى الإجابة على الأسئلة فهو لا يجيب على قدر السؤال! بل يزيد فى الإجابة حتى ترى الأمر بصورة مختلفة فمرة بعين الصقر ومرة بعين فاحصة، وشتان بين العينين، وهو يزيد على هذا بأن فى الإجابة يرد اسم أكثر من كتاب، حتى أنى قررت حينما كان يخطب فى مسجد "السلطان حسن" أن أكتب كل مايقوله من كتب فقط، ولكن حالة بين هذه الرغبة التى كنت أعددت لها أجندة لكتابة أسماء الكتب فيها أن ترك الشيخ المسجد وتركت أنا القاهرة، فقال الأستاذ مصطفى أن هذا الأمر راجع إلى الشيخ "عبد الله الصديق الغمارى" فقد ذكر أن أهل مصر يحبون الإجابة المختصرة على السؤال أى أن هذا الأمر حلال أو حرام ولا شئ آخر، بينما أهل المغرب يفضلون الإجابة التى تنتج بحثًا آخر، فيزدا الإنسان علمًا، وقال مصطفى أن الشيخ أسامة قد ذكر هذا الكلام فى رسالة الماجستر، فسعدت بهذه الإجابة.

وفى رحلة البحث عن كتب الفيلسوف "طه عبد الرحمن" التى لم نجدها فى مكتبة مدبولى فرجعنا إلى سراى ألمانيا، وهناك افترقنا أنا ومصطفى ولم أعثر عليه فرجعت إلى شيخى فاخبرته بما كان فابتسم، وجاء مصطفى بالكتب، وذهبنا لنضعها فى السيارة، فقال شيخى نصلى العصر، فانتبهت، وسألت نفسى كيف لم أسمع الأذان ولم أنتبه له، فأدركت لماذا أجل الشيخان الصلاة، فالغياب بين الكتب والبحث والنظر إليها لا يسمعك شئ آخر وخصوصًا وأن القاعات أسمنتية تحجب الصوت مع وجود ضجيج الزوار، فعذرتهم وندمت على أنى نظرت إلى مشايخنا هذا النظرة التى كنت ذكرتها بعد صلاة الظهر من تأخير الصلاة.. الخ.

وهنا يجب أن أذكر شئ قبل الفراق ـ فراقكم لقرب نهاية الموضوع وفراق الشيخ ـ وهو أن شيخى الشيخ أسامة أمّر الشيخ أشرف مكاوى وجعله أميرنا وهو هنا يقيم حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام الذى رواه أبو هريرة "إذا خرج ثلاثة فى سفر فليؤمروا عليهم أحدهم " وعرفت لماذا يجعله شيخى إمامنا فى الصلاة وعرفت لماذا يسأله قبل كل خطوة إلى أين ياشيخ أشرف؟ وربما كان الذى من شيخى لرؤية أخرى لا أعرفها ولكن هذا تفسيرى لها، فأدعوا الله أن أكون وفقت.

واجتمعنا مرة أخرى مع شقيق الشيخ الأستاذ عصام السيد، وكان قد عرض على الشيخ كتاب "سياحة نامة" للمؤرخ التركى "أوليا شلبى"من أحد الأصدقاء الذين قابلونا قبل لقاء الأستاذ عصام السيد، فأعجب به الشيخ وطلب منى أن أعطيه الكتب التى معى ونلحقه فى سرتى 7 بعد أن نذهب أنا ومصطفى مرة أخرى لكى نجلب هذا الكتاب من الهيئة العامة للكتاب الموجودة فى سراى 4، وقد كان، وعند خروجنا أنا والأستاذ مصطفى من السراى ( الجناح ) بعد شراء الكتاب، قلت له سأذهب أنا لسراى 3 لشراء كتاب الموتى المنشور فى سلسلة الذخائر من هيئة قصور الثقافة، وقلت له سألحقكم، وبعد أن اشتريت الكتاب ذهبت لسراى 7 وبحثت عن دار ابن كثير التى أخبرنى شيخى أن سيكون بها فلم أجدها فبحث داخل القاعة فلم أجدهم بحثت أكثر من مرة، وكان نفس الرد، لا يوجد أحد.

وكما التقينا فجاة افترقنا فجاة، فمشيت وقلت لنفسى هذا حظك من الصحبة، ولو قدر الله لك أكثر من هذا لكان، ولكنه لم يقدر غير هذا، فشكرت الله وحمدته على هذه الصحبة الطيبة.

وفى المساء قبل أن أغوص فى أحلامى، استرجعت الأمر الذى كان، فتذكرت أنى فى صلاة الظهر التى كانت قبل القاء دعوت الله فى سجودى، وقلت "إلهى دلنى على من يدلنى عليك وأوصلنى إلى من يوصلنى إليك" وهذا الدعاء لسيدى مصطفى البكرى فى ورد السحر.

وعرفت أن الله استجاب دعائى، فحمدت الله، فالحمد لله على على كال حال.

وهذا الذى كان، أوردته من غير تدقيق، فكثير من الجمل التى وردت على لسان مشايخنا غير دقيقة لأنها من الذاكرة، وأنا والحمد لله ذاكرتى ليست جيدة، فالحمد لله. فأرجو العذر على هذا التقصير، ولكن الذى جعلنى أكتب هذه الكلمات هى حبى فى شيخى وحبى لإظهار مثل هذه الذكريات الدفينة بين أضلع المريدين والعشاق، فأرجوا الله أن يخرج الجميع ما لديه من ذكريات عن مشايخنا، فالبعد قاسٍ، فلتكن مثل هذه الكلمات والذكريات غطاء نتدثر به فى برد البعد عمن نحب.

وقد كان الذى كان وكأنه ما كان!!!

المقالة بشكل أفضل على مدونتى الأخرى على وورد برس

الخميس، يناير ٠٧، ٢٠١٠

الإسلام بين الدعوة والصحوة


لم يكن خروج رجل فى شبه الجزيرة العربية ليقيم دولة وإمبراطورية ويغزو البلاد شرقًا وغربًا.

بالطبع لم يكن كذلك.

ولم يكن أيضًا رجلاً خرج إلى الناس ليدخلهم صوامع ومساكن يتعبدون فيه الله لا يضرهم من ضل أو اهتدى.

بل جاء النبى صلى الله عليه وسلم ليخرج الناس من الضلمات (الحيوانية) إلى النور (الإنسانية)

فقام فيهم مرشداً. وقام فيهم قائدًا لدولة الإسلام، ليس لحماية الدين فقط، ولكن لكى يكتمل هذا الدين، فلإسلام ليس مجرد عبادات وهو أيضًا ليس ليس مجرد دولة أو نظام يحكم نيابة عن الرب.

لقد جاء الدين بأوامر ونواهى للفرد وللمجتمع. فليس صحيحًا أنه جاء ليصلح ما بين العبد وربه وحسب. ولكن جاء ليمتد هذا الصلاح الذى بينه وبين الله ‘لى المجتمع (الأمة).

ولما كان حالنا الآن لا يقوم على أساس الدين الصحيح (الفرد والجماعة معًا)، كان لابد للنظر لهذه الهنة (السقطة)

فيستعرض الدكتور محمد سعيد رمضان البوطى فى كتابه الرائع الماتع (التعرف على الذات) (التعرف على الذات هو الطريق المعبد إلى الإسلام) أن سائر مظاهر التخلف التى رانت على العالم الإسلامى كانت بسبب عاملين:

أولهما: الإنبهار بمظاهر النهضة الأوربية.

وقد أورث هذا الإنبهار شعورًا بالنقص، وريبة فى حقيقة الدين ورغبة أن يعامل الإسلام هنا كما عوملت النصرانية هناك إبان النهضة الأوربية.

ثانيهما: بقايا الثورة الهائجة على قيود الكنيسة .

وكان هذا خلال النصف الأول من القرن العشرين

ولكن الذى طرأ بعد ذلك امران:

1- زوال الإنبهار الذى كان قد غشّى على أبصار الأمة الإسلامية.

2- سكون بقايا تلك الثورة المعتلجة فى صدور الغربيين.

وجرى فى الماء الذى بين الشرق والغرب الكثير، فبعد ان كان الإشمئزاز من الدين أصبح التطلع إلى المناقشة والحوار والبحث عن الجذور الواحدة للأديان لتعقد بينها صلحًا حقيقيًا يمكن لاعتماد عليه فى حل مشكلات الحضارة.

ويتسأل الدكتور البوطى: هل لهذه التحولات أثر على تقويم حقيقة الدعوة الإسلامية سواء من حيث أهميتها الذاتية، أو من حيث ما قد يجب أن تتقيد به من منهج وأسلوب؟

ويجيب الشيخ الجليل: بأن الأهمية الذاتية للدعوة الإسلامية قد تضاعفت، وأن واجب النهوض بها أصبح أشد أهمية وأكثر اتساعًا. ويقول أن هذه المهمة قد تحولت من الفروض الكفائية ـ فى أغلب الأحقاب التى خلت ـ إلى فرض عين.

وأما عن المنهج الأمثل للدعوة فيرى أن أهم الدعائم الكلية الهامة لنجاح المسلمين فى القيام بأعباء الدولة الإسلامية هى عدة شروط:

1- المعرفة: فيجب أن يكون الداعى إلى الله على بينة من حقيقة الإسلام وأن يعرف الناس به ويدعوهم إليه.

ترى، هل الإسلام مذهب فكرى أو سلوكى يقارع غيره من المذاهب المماثلة؟ أم هو مذهب ينافس المذاهب الأخرى؟ أم هو جملة تشريعات وقوانين تنسخ بها بقية التشريعات؟ أم هو يمين فى مواجهة يسار أم يسار فى مواجهة يمين؟

ويتلطف بنا الكتاب فى تعريف الداعى إلى الله مجموعة أشياء يجب أن يكون عالمًا بها منها أن الإسلام ليس مجموعة تشريعات ولا مذهب فكرى ، فهو ليس هذا ولا ذاك. ولكنه كما يدل عليه اسمه. استسلام مطلق لألوهية الله وحده، ثم انقياد لأمره ونهيه وقضائه.

ويشير غلى أن قوام الدين الحق الذى ألزم به عباده مكون من ثلاثة أركان: إيمان وإسلام وإحسان.

فمغرس الإيمان فى القلب، ومكان الإسلام الجسد كله، ومستقر الإحسان صلة ما بين القلب الذى آمن والجسد الذى استسلم.

ويرى أنه لا قيمة لدعوة الناس إلى اختيار منهج معين فى السلوك أو نظام متميز للحياة ، إلا الإصطباغ التام بالعبودية المطلقة لفاطر السماوات والأرض.

2- هو أن تشيع الدعوة أولاً فى صفوف المسلمين أنفسهم: ويرى أن مجرد انتشار الدعوة فى صفوف المسلمين هو فى حد ذاته دعوة.حتى إذا استقام أمرهم على النهج السليم، وتجسدت فى حياتهم حقائق الإسلام وفطرته وأخلاقه، انبثق لهم من ذلك لسان مبين يدعو الأمم الأخرى إلى اتباع دين الله عز وجل، وتجلى من سلوكهم أمام تلك الأمم خط مضئ يشق سبيله وسط أمواج الظلام وعكر المذاهب والأفكار المنحرفة. فكان من ذلك أهم عامل يحمل تلك الأمم على مزيد من الاهتمام بفهم الإسلام أولاً، ثم الاعتناق له والانصباغ به ثانيًا.

3- تلاقى الجهود بين الراعى والرعية: فلا قيمة لما قد تنفرد به فئات أو أفراد من المسلمين فى نطاق العمل الإسلامى، إذا لم تكن للدولة الحاكمة فى ذلك دور أساسى فعال، ولئن ظهر بعض الفوائد والأثار فهى لا تعدو أن تكون أثارًا جزئية، ويغلب أن تكون مع ذلك سطحية ومؤقته.

فالذين يرشدون ويوجهون إنما يجتازون بالناس عقبة نظرية فقط، وتبقى من بعدها مرحلة السعى إلى التنفيذ ، وهى مليئة بالعقبات والمعوقات.. ولا يقدر على تذليل تلك العقبات وإزاحة المعوقات، إلا قادة المسلمين وأولو الأمر فيهم.

وما أظن إلا أن هذه المسؤلية، هى التى يجسدها ويعبر عنها الأثر القائل: إن الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن

ويرى شيخنا أن من الخير أن نبحث عن السبب الذى أفقد روح التعاون الحقيقى بين المتحرقين على الدعوة الإسلامية من آحاد المسلمين والقائمين على أمرهم من القادة والحكام!

إن السبب، بكلمة جامعة مختصرة، هو السياسة!

لقد كانت كلمة “السياسة” تعنى فيما مضى سلوك سبيل الحكمة والتعقل إلى الهدف المنشود. فكانت مطية زلولاً وسبيلاً معبدة إلى بلوغ الغايات السامية. ولكن تحولت هذه الكلمة إلى ألوان معقدة من المناورات والمحاولات ووجه التعامل بين القادة. وتحول من وسيلة إلى وسيلة وغاية فى نفس الوقت!!

ونظر شيخنا. فرأى : أن الدين ذاته واحد من الوسائط الخادمة!.. فما اكثر ما يستنطق الدين بما نهواه السياسة.

مع العلم أن الله جل شأنه، ما أنزل الدين على عباده إلا كبحًا لجماع الرعونات، وجمعًا لشتات الآراء، وإزالة لأحقاد القلوب وسخائم النفوس. فمعاذ الله أن تكون له وجوه متعددة يصانع بها أرباب السياسة وأبطال الكرّ والفر، ليفوز برضوان الجميع!..

إن علينا جميعً أن ندرك أن العمل السياسى فى أيدى قادة الأمة الإسلامية، ليس إلا سلاحًا لخدمة الإسلام وإقامة المجتمع الإسلامى فوق أرفع ذرى الأرض

الأربعاء، نوفمبر ٠٥، ٢٠٠٨

دعاة الفتنة ... ودعاة الصمت






كلما فضحت الصحف المستقلة بعض السلبيات الموجودة فى المجتمع ، أو بعض السلبيات وإن شئت الدقة قل التقصير الذى تتصف به أغلب أفعال الحكومة ، يخرج علينا بعض مشجعى ومهللى الحكومة يطالبون الصحف بغض الطرف عن مثل هذه الأشياء لأنها تسئ لمصر ، حقًا هم يسيؤن لمصر !!!
هذا من جانب الصحف المستقلة والموالاة .
أما على صعيد آخر فإن بعض المثقفين يطالبون البعض بالصمت لأن ما يقولونه يثير الفتنة ! ، وأبرز من دعى للصمت كان أستاذنا فهمى هويدى .
وفى مقالاتان دعى إثنين من كبار علماء الدين فى
العالم العربى للصمت ـ وللمفارقة أحدهما مسلم والآخر مسيحى ـ وهما فضيلة الدكتور
يوسف القرضاوى وفضيلة البابا شنودة .
وقد خاطب الأستاذ فضيلة الدكتور فى مقالة
وهو يطالبه فى هذه المقالة بالصمت عن تنبيهه ـ يقصد الشيخ القرضاوى ـ للمجتمع من خطر التشيع ، ولكن هل حقًا كان يجب أن
يصمت مولانا ، لا أعتقد !
وقال فى مقالته عن البابا شنودة التى كان عنوانها ليته ما تكلم
الأسلمة والعروبة وخطرهما على المسيحيين.
وليس الآن مجال الحديث عن التشيع أو الأسلمة ، ولكن حديثنا ينصب عن الصمت والحديث الذى يجلب الفتنة .
هل حقٌا لو صمتا عن الحديث هذا سيؤدى إلى درء الفتنة ؟ ، السؤال هنا خطاء والصحيح هو ، هل الكلام سيؤدى الى الفتنة ؟
لا أعتقد أن الكلام سيؤدى الى الفتنة ، لأنه فى النهاية كلام يؤخذ منه
ويرد ، وقد كتبت فضيلتكم ـ الأستاذ هويدى ـ ترد عليهما فى بداية المقال وفى النهاية تطالبهما بالصمت .
مما تخاف أستاذنا ؟ ، من الفتنة أم من الكلام !!
ما قالاه لن يؤدى إلى فتنة ولكن صمتهم هو من سيؤدى إلى فتنة لأنهم سيضمرون فى صدورهم كلمات ، قولها الآن لن يضر لأن البعض سيرد عليها ، ولكن غذًا الله وحده أعلم به وكيف ستكون نتيجة هذه الكلمات قد تكون حقٌا كلمات حارقة .
أليست هذه أراء ومعلومات قد تكون صحيحة وقد تكون خاطئة ، ومن حق من كانت فى صدره شئ أن يبوح بما فى صدره .
إذا إعتمدنا موقف أستاذنا وقررنا بصحتة فإننا سنطالب الجميع بالصمت .
لا داعى للصمت ، فليدل كل امرء بدلوه .
كن شجاعًا أستاذنا ، ولا تخف .

إذا كنت ترى أنهم مخطئون فقف أمامهم ونبههم إلى خطئهم .
كن كموسى مع السحرة ـ قالوا ياموسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى(65)قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى(66) ـ ورد عليهم وواجههم ولا داعى للصمت .
فهم ليسوا من دعاة الفتنة .
وأتمنى ألا تكون من دعاة الصمت .

الثلاثاء، أكتوبر ٣٠، ٢٠٠٧

ما لا أحبه فى مشايخنا


فى بلدتنا منذ صغرى وأنا أذهب إلى صلاة الجمعه مع أبى وكنت أفعل بعض أشياء ليس من ضمنها الإستماع للخطبه ولكن كنت وأنا صغير أذهب بعيدا عن أبى بحجة دخول الحمام والوضؤ وكنت اخرج للعب وأذكر حينما أخذت معى مسدس لعبة ودخلت الحمام وظللت أتخيل أنى بطل أحارب الأعداء والناس فى الخارج تخبط على الباب وأنا ولا هنا حتى أنتهت الصلاة هذا كان فى الجامع العتيق (أسمه كده)وأتذكر حينما وقفت خارج المسجد وانا اتخيل أن أهلى مدفونين فى الخرابه التى بجوار المسجد ، وحينما كبرت كنت ولا زلت اذهب متأخرا فضلا عن نومى أثناء الخطبه ،أفعل هذا(الذهاب متأخرا والنوم أثناء الصلاة) فى جميع المساجد إلا فى مسجدين مسجد عبدالجواد سالم فى بلدتنا (بنام بس لما بكون تعبان )ومسجد السلطان حسن بالسيده عائشه ، ليس بسبب فى المسجدين ولاكن بسبب مشايخ هذين المسجدين الشيخ حمدى الحلوانى فى بلدتنا والشيخ على جمعه (مفتى الديار) والشيخ أسامه بالسلطان حسن فهؤلاء دون غيرهم قادرين على جعلى متيقظا طوال الخطبه ليس لشئ إلا أنهم يحسنون ويجيدون فن إلقاء الخطبه بالإضافةإلى غزارة علمهم ، أما فى باقى المساجد فأنا أشعر أنى ذاهب إلى حفل شواء فى نار جهنم وبئس القرار ، ولا اعرف لماذا هذا الشعور وهذا القرار بأنى لن أستفيد شيئ من الخطبة فأذهب للنوم حتى يوقظنى من بجانبى عند الإقامة ، كل ما سبق مقدمه ليس لها اى علاقه بالعنوان فالبانسبه للأشياء التى لا أحبها فى مشياخنا الكرام هى أنهم دائما يشعروننى بأنهم أعلم منى ( وهم كذلك ) ولكن بدرجه أكبر منهم فهم يفهمون كل شئ ويعرفون كل شئ ولا يوجد سؤال لا يجيبون عليه وكأنهم أبو حنيفه أو أحمد بن حنبل ،ومما لا شك فيه أن بعضهم لديه من العلم والثقافه الشئ الكثير ، ولكن أنا لا اتحدث عن العلم والثقافة ولاكن عن شعورى وأنا أشاهد هؤلاء المشايخ وهم يجيبون على الأسئلة وكأن إجاباتهم هى الجواب النهائى لتكتشف بعد قليل او كثير ان هناك رأى أخر فى نفس السؤال ، فإذا كان هناك أكثر من رأى فلماذا لا يقولن الأراءوأنا أختار من بينها ، لن يضر الشيخ أن أنتقى أنا من بين الأراء رأى يريحنى ، فإذا لم يكن يعرف غير رأى واحد فل يخبر الناس ان هناك أكثر من رأى وانه لا يعرف غير هذا الرأى ، ومما لا أحبه فى مشايخنا الكرام ايضا انهم حينما يتحدثون عن العلمانيين والملحدين واللا دينين أو شخص غير مقتنع برأى دينى سواء كان صحيح أو هناك عدة اراء فيه ، فإنهم يتحدثون عنهم وكأنهم معادون لله عز وجل وأنهم بلا عقل ، ليس لشئ إلا لأنهم رفضو ما يقولون سواء عن كبر منهم أو لأنهم غير مقتنعين بما يقوله مشايخنا الكرام ، فلماذا يتحدث عنهم مشايخنا بإستهذاء وبطريقة أجد أنا أن فيها كبر ، وبطريقة تجعل الأخر ينفر من الإستماع لما يقوله مشايخنا الكرام ، وفى نفس الوقت تجعل العامة من الناس لهم كارهون وشاتمون وعنهم مبتعدون ، أرجو من مشايخنا الكرام أن يخففو من حدة لهجتهم حينما يتحدثون عن الأخر وأكتفى بهذا القدر من الحديث فى ما لا أحبه فى مشايخنا الكرام.ه